تفسير الميزان ج۱۷
222عذاب النار المقضي في حقه و حق أتباعه و عند ذلك تختتم السورة.
قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اَللَّهُ اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} - إلى قوله - {اَلْعَزِيزُ اَلْغَفَّارُ} في الآيتين أمر النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) بإبلاغ أنه منذر و أن الله تعالى واحد في الألوهية فقوله: {إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ} يفيد قصره في كونه منذرا و نفي سائر الأغراض التي ربما تتلبس به الدعوة بين الناس من طلب مال أو جاه كما يشير إليه ما في آخر الآيات من قوله: {قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَ مَا أَنَا مِنَ اَلْمُتَكَلِّفِينَ}.
و قوله: {وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اَللَّهُ} إلى آخر الآيتين إبلاغ لتوحيده تعالى بحجة يدل عليها ما أورد من صفاته المدلول عليها بأسمائه.
فقوله: {وَ مَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اَللَّهُ} نفي لكل إله و الإله هو المعبود بالحق غيره تعالى و أما ثبوت ألوهيته تعالى فهو مسلم بانتفاء ألوهية غيره إذ لا نزاع بين الإسلام و الشرك في أصل ثبوت الإله و إنما النزاع في أن الإله و هو المعبود بالحق هو الله تعالى أو غيره. على أن ما ذكر في الآيتين من الصفات متضمن لإثبات ألوهيته كما أنها حجة على انتفاء ألوهية غيره تعالى.
و قوله: {اَلْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ} يدل على توحده تعالى في وجوده و قهره كل شيء و ذلك أنه تعالى واحد لا يماثله شيء في وجوده و لا تناهي كماله الذي هو عين وجوده الواجب فهو الغني بذاته و على الإطلاق و غيره من شيء فقير يحتاج إليه من كل جهة ليس له من الوجود و آثار الوجود إلا ما أنعم و أفاض فهو سبحانه القاهر لكل شيء على ما يريد و كل شيء مطيع له فيما أراد خاضع له فيما شاء.
و هذا الخضوع الذاتي هو حقيقة العبادة فلو جاز أن يعبد شيء في الوجود عملا بأن يؤتى بعمل يمثل به العبودية و الخضوع فهي عبادته سبحانه إذ كل شيء مفروض دونه فهو مقهور خاضع له لا يملك لنفسه و لا لغيره شيء و لا يستقل من الوجود و آثار الوجود بشيء فهو سبحانه الإله المعبود بالحق لا غير.
و قوله: {رَبُّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا} يفيد حجة أخرى على توحده تعالى في الألوهية و ذلك أن نظام التدبير الجاري في العالم برمته نظام واحد متصل غير متبعض و لا متجز و هو آية وحدة المدبر، و قد تقدم كرارا أن الخلق و التدبير لا ينفكان

