تفسير الميزان ج۱۷
197في الأرض بفساد اعتقادهم و عملهم و هم الفجار هم الناقصون الخاسرون في إنسانيتهم حقيقة، و مقتضى هذا الكمال و النقص أن يكون بإزاء الكمال حياة سعيدة و عيش طيب و بإزاء خلافه خلاف ذلك.
و من المعلوم أن هذه الحياة الدنيا التي يشتركان فيها هي تحت سيطرة الأسباب و العوامل المادية و نسبتها إلى الكامل و الناقص و المؤمن و الكافر على السواء فمن أجاد العمل و وافقته الأسباب المادية فاز بطيب العيش و من كان على خلاف ذلك لزمه الشقاء و ضنك المعيشة.
فلو كانت الحياة مقصورة على هذه الحياة الدنيوية التي نسبتها إلى الفريقين على السواء و لم تكن هناك حياة تختص بكل منهما و تناسب حاله كان ذلك منافيا للعناية الإلهية بإيصال كل ذي حق حقه و إعطاء المقتضيات ما تقتضيه.
و إن شئت فقل: تسوية۱ بين الفريقين و إلغاء ما يقتضيه صلاح هذا و فساد ذلك خلاف عدله تعالى.
و الآية - كما ترى - لا تنفي استواء حال المؤمن و الكافر و إنما قررت المقابلة بين من آمن و عمل صالحا و بين من لم يكن كذلك سواء كان غير مؤمن أو مؤمنا غير صالح و لذا أتت بالمقابلة ثانيا بين المتقين و الفجار.
قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ} أي هذا كتاب من وصفه كذا و كذا، و توصيفه بالإنزال المشعر بالدفعة دون التنزيل الدال على التدريج لأن ما ذكر من التدبر و التذكر يناسب اعتباره مجموعا لا نجوما مفرقة.
و المقابلة بين {لِيَدَّبَّرُوا} و {لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبَابِ} تفيد أن المراد بضمير الجمع الناس عامة.
و المعنى: هذا كتاب أنزلناه إليك كثير الخيرات و البركات للعامة و الخاصة ليتدبره الناس فيهتدوا به أو تتم لهم الحجة و ليتذكر به أولو الألباب فيهتدوا إلى الحق باستحضار حجته و تلقيها من بيانه.
- الحجة الأولى برهانية و الثانية جدلية.

