تفسير الميزان ج۱۷
196ينفك عن نسيان يوم الحساب.
قوله تعالى: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} إلى آخر الآية، لما انتهى الكلام إلى ذكر يوم الحساب عطف عنان البيان عليه فاحتج عليه بحجتين إحداهما ما ساقه في هذه الآية بقوله: {وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاءَ} إلخ و هو احتجاج من طريق الغايات إذ لو لم يكن خلق السماء و الأرض و ما بينهما و هي أمور مخلوقة مؤجلة توجد و تفنى مؤديا إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجلة كان باطلا و الباطل بمعنى ما لا غاية له ممتنع التحقق في الأعيان. على أنه مستحيل من الحكيم و لا ريب في حكمته تعالى.
و ربما أطلق الباطل و أريد به اللعب و لو كان المراد ذلك كانت الآية في معنى قوله{وَ مَا خَلَقْنَا اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ} الدخان: ٣٩.
و قيل: الآية عطف على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل: و لا تتبع الهوى لأنه يكون سببا لضلالك و لأنه تعالى لم يخلق العالم لأجل اتباع الهوى و هو الباطل بل خلقه للتوحيد و متابعة الشرع.
و فيه أن الآية التالية: {أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ} إلخ لا تلائم هذا المعنى.
و قوله: {ذَلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنَّارِ} أي خلق العالم باطلا لا غاية له و انتفاء يوم الحساب الذي يظهر فيه ما ينتجه حساب الأمور ظن الذين كفروا بالمعاد فويل لهم من عذاب النار.
قوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} هذه هي الحجة الثانية على المعاد و تقريرها أن للإنسان كسائر الأنواع كمالا بالضرورة و كمال الإنسان هو خروجه في جانبي العلم و العمل من القوة إلى الفعل بأن يعتقد الاعتقادات الحقة و يعمل الأعمال الصالحة اللتين يهديه إليهما فطرته الصحيحة و هما الإيمان بالحق و العمل الصالح اللذين بهما يصلح المجتمع الإنساني الذي في الأرض.
فالذين آمنوا و عملوا الصالحات و هم المتقون هم الكاملون من الإنسان و المفسدون

