تفسير الميزان ج۱۷
194لينبهه و يسدده في خلافته و حكمه بين الناس، كل ذلك يؤيد كونهم من الملائكة و قد تمثلوا له في صورة رجال من الإنس.
و على هذا فالواقعة تمثل، تمثل فيه الملائكة في صورة متخاصمين لأحدهما نعجة واحدة يسألها آخر له تسع و تسعون نعجة و سألوه القضاء فقال لصاحب النعجة الواحدة: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} إلخ و كان قوله (عليه السلام) - لو كان قضاء منجزا - حكما منه في ظرف التمثل كما لو كان رآهم فيما يرى النائم فقال لهم ما قال و حكم فيهم بما حكم و من المعلوم أن لا تكليف في ظرف التمثل كما لا تكليف في عالم الرؤيا و إنما التكليف في عالمنا المشهود و هو عالم المادة و لم تقع الواقعة فيه و لا كان هناك متخاصمان و لا نعجة و لا نعاج إلا في ظرف التمثل فكانت خطيئة داود (عليه السلام) في هذا الظرف من التمثل و لا تكليف هناك كخطيئة آدم (عليه السلام) في الجنة من أكل الشجرة قبل الهبوط إلى الأرض و تشريع الشرائع و جعل التكاليف، و استغفاره و توبته مما صدر منه كاستغفار آدم و توبته مما صدر منه و قد صرح الله بخلافته في كلامه كما صرح بخلافة آدم (عليه السلام) في كلامه و قد مر توضيح ذلك في قصة آدم (عليه السلام) من سورة البقرة في الجزء الأول من الكتاب.
و أما على قول بعض المفسرين من أن المتخاصمين الداخلين عليه كانوا بشرا و القصة على ظاهرها فينبغي أن يؤخذ قوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} إلخ قضاء تقديريا أي إنك مظلوم لو لم يأت خصيمك بحجة بينة، و إنما ذلك لحفظ على ما قامت عليه الحجة من طريقي العقل و النقل أن الأنبياء معصومون بعصمة من الله لا يجوز عليهم كبيرة و لا صغيرة.
على أن الله سبحانه صرح قبلا بأنه آتاه الحكمة و فصل الخطاب و لا يلائم ذلك خطأه في القضاء.
قوله تعالى: {وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ} الزلفة و الزلفى المنزلة و الحظوة، و المآب المرجع، و تنكير {لَزُلْفى} و {مَآبٍ} للتفخيم، و الباقي ظاهر.
قوله تعالى: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ} إلى آخر الآية الظاهر أن الكلام بتقدير القول و التقدير فغفرنا له ذلك و قلنا يا داود إلخ.
و ظاهر الخلافة أنها خلافة الله فتنطبق على ما في قوله تعالى{وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً} البقرة: ٣٠ و من شأن الخلافة أن يحاكي الخليفة

