تفسير الميزان ج۱۷
191و قيل: المراد به الكلام القصد ليس بإيجازه مخلا و لا بإطنابه مملا، و قيل: فصل الخطاب قول أما بعد فهو (عليه السلام) أول من قال: أما بعد، و الآية التالية {وَ هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ} إلخ تؤيد ما قدمناه.
قوله تعالى: {وَ هَلْ أَتَاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرَابَ} الخصم مصدر كالخصومة أريد به القوم الذي استقر فيهم الخصومة، و التسور الارتقاء إلى أعلى السور و هو الحائط الرفيع كالتسنم بمعنى الارتقاء إلى سنام البعير و التذري بمعنى الارتقاء إلى ذروة الجبل، و قد فسر المحراب بالغرفة و العلية، و الاستفهام للتعجيب و التشويق إلى استماع الخبر.
و المعنى هل أتاك يا محمد خبر القوم المتخاصمين إذ علوا سور المحراب محراب داود (عليه السلام).
قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ} إلى آخر الآية لفظة {إِذْ} هذه ظرف لقوله: {تَسَوَّرُوا} كما أن {إِذْ} الأولى ظرف لقوله: {نَبَأُ اَلْخَصْمِ} و محصل المعنى أنهم دخلوا على داود و هو في محرابه لا من الطريق العادي بل بتسوره بالارتقاء إلى سوره و الورود عليه منه و لذا فزع منهم لما رآهم دخلوا عليه من غير الطريق العادي و بغير إذن.
و قوله: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} قال الراغب: الفزع انقباض و نفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف و هو من جنس الجزع و لا يقال: فزعت من الله كما يقال: خفت منه. انتهى.
و قد تقدم أن الخشية تأثير القلب بحيث يستتبع الاضطراب و القلق و هي رذيلة مذمومة إلا الخشية من الله سبحانه و لذا كان الأنبياء (عليهم السلام) لا يخشون غيره قال تعالى: {وَ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللَّهَ} الأحزاب: ٣٩.
و أن الخوف هو التأثير عن المكروه في مقام العمل بتهيئة ما يتحرز به من الشر و يدفع به المكروه لا في مقام الإدراك فليس برذيلة مذمومة لذاته بل هو حسن فيما يحسن الاتقاء قال تعالى خطابا لرسوله: {وَ إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} الأنفال: ٥٨.
و إذا كان الفزع هو الانقباض و النفار الحاصل من الشيء المخوف كان أمرا راجعا

