تفسير الميزان ج۱۷
190آخر: {وَ سَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ اَلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَ اَلطَّيْرَ} الأنبياء: ٧٩ يؤيد تعلق الظرف بسخرنا، و قد وقع في موضع آخر من كلامه تعالى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ } سبأ: ١٠. و العشي و الإشراق الرواح و الصباح.
و قوله: {إِنَّا سَخَّرْنَا} إلخ «إن» فيه للتعليل و الآية و ما عطف عليها من الآيات بيان لكونه (عليه السلام) ذا أيد في تسبيحه و ملكه و علمه و كونه أوابا إلى ربه.
قوله تعالى: {وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} المحشورة من الحشر بمعنى الجمع بإزعاج أي و سخرنا معه الطير مجموعة له تسبح معه.
و قوله: {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} استئناف يقرر ما تقدمه من تسبيح الجبال و الطير أي كل من الجبال و الطير أواب أي كثير الرجوع إلينا بالتسبيح فإن التسبيح من مصاديق الرجوع إليه تعالى. و يحتمل رجوع ضمير {لَهُ} إلى داود على بعد.
و لم يكن تأييد داود (عليه السلام) في أصل جعله تعالى للجبال و الطير تسبيحا فإن كل شيء مسبح لله سبحانه قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} الإسراء: ٤٤ بل في موافقة تسبيحها لتسبيحه و قرع تسبيحها أسماع الناس و قد تقدم كلام في معنى تسبيح الأشياء لله سبحانه في تفسير قوله تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} (الآية) و أنه بلسان القال دون لسان الحال.
قوله تعالى: {وَ شَدَدْنَا مُلْكَهُ وَ آتَيْنَاهُ اَلْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ اَلْخِطَابِ} قال الراغب: الشد العقد القوي يقال شددت الشيء قويت عقده. انتهى فشد الملك من الاستعارة بالكناية و المراد به تقوية الملك و تحكيم أساسه بالهيبة و الجنود و الخزائن و حسن التدبير و سائر ما يتقوى به الملك.
و الحكمة في الأصل بناء نوع من الحكم و المراد بها المعارف الحقة المتقنة التي تنفع الإنسان و تكمله، و قيل: المراد النبوة، و قيل الزبور و علم الشرائع، و قيل غير ذلك و هي وجوه ردية.
و فصل الخطاب تفكيك الكلام الحاصل من مخاطبة واحد لغيره و تمييز حقه من باطله و ينطبق على القضاء بين المتخاصمين في خصامهم.

