تفسير الميزان ج۱۷
165قوله تعالى: {فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلى حِينٍ} أي آمنوا به فلم نعذبهم و لم نهلكهم بما أشرف عليهم من العذاب فمتعناهم بالحياة و البقاء إلى أجلهم المقدر لهم.
و الآية في إشعارها برفع العذاب عنهم و تمتيعهم تشير إلى قوله تعالى{فَلَوْ لاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ مَتَّعْنَاهُمْ إِلى حِينٍ} يونس: ٩٨.
و لا يخلو السياق من إشعار - بل دلالة - على أن المراد من إرساله في قوله: {وَ أَرْسَلْنَاهُ} أمره بالذهاب ثانيا إلى القوم، و بإيمانهم في قوله: {فَآمَنُوا} إلخ إيمانهم بتصديقه و اتباعه بعد ما آمنوا و تابوا حين رأوا العذاب.
و من هنا يظهر ضعف ما استدل بعضهم بالآيتين أن إرساله إلى القوم كان بعد خروجه من بطن الحوت و أنه أمر أولا بالذهاب إلى أهل نينوى و دعوتهم إلى الله و كانوا يعبدون الأصنام فاستعظم الأمر و خرج من بيته يسير في الأرض لعل الله يصرف عنه هذا التكليف و ركب البحر فابتلاه الله بالحوت ثم لما نبذ بالعراء كلف ثانيا فأجاب و أطاع و دعاهم فاستجابوا فدفع الله عذابا كان يهددهم إن لم يؤمنوا.
و ذلك أن السياق كما سمعت يدل على كون إرساله بأمر ثان و أن إيمانهم كان إيمانا ثانيا بعد الإيمان و التوبة و أن تمتيعهم إلى حين كان مترتبا على إيمانهم به لا على كشف العذاب عنهم فلم يكن الله سبحانه ليتركهم لو لم يؤمنوا برسوله ثانيا كما آمنوا به و تابوا إليه أولا في غيبته فافهم ذلك.
على أن قوله تعالى{وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً} الأنبياء: ٨٧ و قوله{وَ لاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ اَلْحُوتِ إِذْ نَادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ} ن: ٤٨ لا يلائم ما ذكروه، و كذا قوله{إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا} يونس: ٩٨ إذ لا يطلق الكشف إلا في عذاب واقع حال أو مشرف.
(كلام في قصة يونس (عليه السلام) في فصول)
١ - قصته في القرآن
لم يتعرض القرآن الكريم إلا لطرف من قصته و قصة قومه فقد تعرض في سورة الصافات لإرساله ثم إباقه و ركوبه الفلك و التقام الحوت له ثم نجاته و إرساله إلى

