تفسير الميزان ج۱۷
163المملوءة من الناس و الإباق هرب العبد من مولاه.
و المراد بإباقه إلى الفلك خروجه من قومه معرضا عنهم و هو (عليه السلام) و إن لم يعص في خروجه ذلك ربه و لا كان هناك نهي من ربه عن الخروج لكن خروجه إذ ذاك كان ممثلا لإباق العبد من خدمة مولاه فأخذه الله بذلك، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: {وَ ذَا اَلنُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} الأنبياء: ٨٧.
قوله تعالى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ اَلْمُدْحَضِينَ} المساهمة المقارعة و الإدحاض الغلبة أي فقارع من في السفينة فكان من المغلوبين، و قد كان عرض لسفينتهم الحوت فاضطروا إلى أن يلقوا واحدا منهم في البحر ليبتلعه و يخلي السفينة فقارعوا فأصابت يونس (عليه السلام).
قوله تعالى: {فَالْتَقَمَهُ اَلْحُوتُ وَ هُوَ مُلِيمٌ} الالتقام الابتلاع، و مليم من ألام أي دخل في اللوم كأحرم إذا دخل في الحرم أو بمعنى صار ذا ملامة.
قوله تعالى: {فَلَوْ لاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} عده من المسبحين و هم الذين تكرر منهم التسبيح و تمكن منهم حتى صار وصفا لهم يدل على دوام تلبسه زمانا بالتسبيح. قيل: أي من المسبحين قبل التقام الحوت إياه، و قيل: بل في بطن الحوت، و قيل: أي كان من المسبحين قبل التقام الحوت و في بطنه.
و الذي حكي من تسبيحه في كلامه تعالى قوله في سورة الأنبياء: {فَنَادى فِي اَلظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظَّالِمِينَ} الأنبياء: ٨٧ و لازم ذلك أن يكون من المسبحين في بطن الحوت خاصة أو فيه و فيما قبله فاحتمال كون المراد تسبيحه قبل التقام الحوت مرجوح لا ينبغي أن يصار إليه.
على أن تسبيحه مع اعترافه بالظلم في قوله: {سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ اَلظَّالِمِينَ} - على ما سيجيء - تسبيح له تعالى عما كان يشعر به۱ فعله من ترك قومه و ذهابه على وجهه، و قوله: {فَلَوْ لاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ اَلْمُسَبِّحِينَ} إلخ يدل على أن تسبيحه كان هو السبب المستدعي لنجاته، و لازم ذلك أن يكون إنما ابتلي بما ابتلي به لينزهه تعالى فينجو بذلك من الغم الذي ساقه إليه فعله إلى ساحة العافية.
- و هو أن الله لا يقدر عليه كما قال تعالى: «و ظن أن لن نقدر عليه».

