تفسير الميزان ج۱۷
151شيئا إذ قال سبحانه: {يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاَماً عَلى إِبْرَاهِيمَ} الأنبياء: ٦٩.
و قد اختتم بهذا فصل من قصص إبراهيم (عليه السلام) و هو انتهاضه أولا على عبادة الأوثان و اختصامه لعبادها و انتهاء أمره إلى إلقائه النار و إبطاله تعالى كيدهم.
قوله تعالى: {وَ قَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ} فصل آخر من قصصه (عليه السلام) يذكر عزمه على المهاجرة من بين قومه و استيهابه من الله ولدا صالحا و إجابته إلى ذلك و قصة ذبحه و نزول الفداء.
فقوله: {وَ قَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلى رَبِّي} إلخ كالإنجاز لما وعدهم به مخاطبا لآزر{ وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللَّهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا }مريم: ٤٨ و منه يعلم أن مراده بالذهاب إلى ربه الذهاب إلى مكان يتجرد فيه لعبادته تعالى و دعائه و هو الأرض المقدسة.
و قول بعضهم: إن المراد أذهب إلى حيث أمرني ربي لا شاهد عليه.
و كذا قول بعضهم: إن المراد أني ذاهب إلى لقاء ربي حيث يلقونني في النار فأموت و ألقى ربي سيهديني إلى الجنة.
و فيه - كما قيل - إن ذيل الآية لا يناسبه و هو قوله: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصَّالِحِينَ} و كذا قوله بعده: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ}.
قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ اَلصَّالِحِينَ} حكاية دعاء إبراهيم (عليه السلام) و مسألته الولد أي قال: {رَبِّ هَبْ لِي }«إلخ» و قد قيده بكونه من الصالحين.
قوله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} أي فبشرناه أنا سنرزقه غلاما حليما و فيه إشارة إلى أنه يكون ذكرا و يبلغ حد الغلمان، و أخذ الغلومة في وصفه مع أنه بلغ مبلغ الرجال للإشارة إلى حاله التي يظهر فيها صفة كماله و صفاء ذاته و هو حلمه الذي مكنه من الصبر في ذات الله إذ قال: {يَا أَبَتِ اِفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اَللَّهُ مِنَ اَلصَّابِرِينَ}.
و لم يوصف في القرآن من الأنبياء بالحلم إلا هذا النبي الكريم في هذه الآية و أبوه في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} هود: ٧٥.

