تفسير الميزان ج۱۷
147قوله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُؤْمِنِينَ} تعليل لإحسانه المدلول عليه بالجملة السابقة و ذلك لأنه (عليه السلام) لكونه عبدا لله بحقيقة معنى الكلمة كان لا يريد و لا يفعل إلا ما يريده الله، و لكونه من المؤمنين حقا كان لا يرى من الاعتقاد إلا الحق و سرى ذلك إلى جميع أركان وجوده و من كان كذلك لا يصدر منه إلا الحسن الجميل فكان من المحسنين.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا اَلْآخَرِينَ} ثم للتراخي الكلامي دون الزماني و المراد بالآخرين قومه المشركون.
قوله تعالى: {وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} الشيعة هم القوم المشايعون لغيرهم الذاهبون على أثرهم و بالجملة كل من وافق غيره في طريقته فهو من شيعته تقدم أو تأخر قال تعالى: {وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} سبأ: ٥٤.
و ظاهر السياق أن ضمير {شِيعَتِهِ} لنوح أي إن إبراهيم كان ممن يوافقه في دينه و هو دين التوحيد، و قيل: الضمير لمحمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و لا دليل عليه من جهة اللفظ.
قيل: و من حسن الإرداف في نظم الآيات تعقيب قصة نوح (عليه السلام) و هو آدم الثاني أبو البشر بقصة إبراهيم (عليه السلام) و هو أبو الأنبياء إليه تنتهي أنساب جل الأنبياء بعده و على دينه تعتمد أديان التوحيد الحية اليوم كدين موسى و عيسى و محمد (صلى الله عليه وآله و سلم) ، و أيضا نوح (عليه السلام) نجاه الله من الغرق و إبراهيم (عليه السلام) نجاه الله من الحرق.
قوله تعالى: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} مجيئه ربه كناية عن تصديقه له و إيمانه به، و يؤيد ذلك أن المراد بسلامة القلب عروه عن كل ما يضر التصديق و الإيمان بالله سبحانه من الشرك الجلي و الخفي و مساوئ الأخلاق و آثار المعاصي و أي تعلق بغيره ينجذب إليه الإنسان و يختل به صفاء توجهه إليه سبحانه.
و بذلك يظهر أن المراد بالقلب السليم ما لا تعلق له بغيره تعالى كما في الحديث و سيجيء إن شاء الله في البحث الروائي الآتي.
و قيل: المراد به السالم من الشرك، و يمكن أن يوجه بما يرجع إلى الأول و قيل: المراد به القلب الحزين، و هو كما ترى.
و الظرف في الآية متعلق بقوله سابقا {مِنْ شِيعَتِهِ} و الظروف يغتفر فيها ما لا

