تفسير الميزان ج۱۷
133سؤال بعضهم بعضا تلاوما و تعاتبا يقول التابعون لمتبوعيهم: لم أضللتمونا؟ فيقول المتبوعون: لم قبلتم منا و لا سلطان لنا عليكم؟.
فقوله: {وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} البعض الأول هم المعترضون و البعض الثاني المعترض عليهم كما يعطيه سياق التساؤل و تساؤلهم تخاصمهم.
و قوله: {قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اَلْيَمِينِ} أي من جهة الخير و السعادة فاستعمال اليمين فيها شائع كثير كقوله: {وَ أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ اَلْيَمِينِ }الواقعة: ٢٧ و المعنى أنكم كنتم تأتوننا من جهة الخير و السعادة فتقطعون الطريق و تحولون بيننا و بين الخير و السعادة و تضلوننا.
و قيل: المراد باليمين الدين و هو قريب من الوجه السابق، و قيل: المراد باليمين القهر و القوة كما في قوله تعالى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ} الصافات: ٩٣ و لا يخلو من وجه نظرا إلى جواب المتبوعين.
و قوله: {قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَ مَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } - إلى قوله - {غَاوِينَ} جواب المتبوعين بتبرئة أنفسهم من إشقاء التابعين و أن جرمهم مستند إلى سوء اختيار أنفسهم.
فقالوا: بل لم تكونوا مؤمنين أي لم نكن نحن السبب الموجب لإجرامكم و هلاككم بخلوكم عن الإيمان بل لم تكونوا مؤمنين لا أنا جردناكم من الإيمان.
ثم قالوا: {وَ مَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} و هو في معنى الجواب على فرض التسليم كأنه قيل: و لو فرض أنه كان لكم إيمان فما كان لنا عليكم من سلطان حتى نسلبه منكم و نجردكم منه. على أن سلطان المتبوعين إنما هو بالتابعين فهم الذين يعطونهم السلطة و القوة فيتسلطون عليهم أنفسهم.
ثم قالوا: {بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ} و الطغيان هو التجاوز عن الحد و هو إضراب عن قوله: {لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} كأنه قيل: و لم يكن سبب هلاككم مجرد الخلو من الإيمان بل كنتم قوما طاغين كما كنا مستكبرين طاغين فتعاضدنا جميعا على ترك سبيل الرشد و اتخاذ سبيل الغي فحق علينا كلمة العذاب التي قضى بها الله سبحانه قال تعالى:

