تفسير الميزان ج۱۷
115مصداقا للشأن لا حمل الأمر على القول بمعنى ما يقابل النهي.
و قوله: {إِذَا أَرَادَ شَيْئاً} أي إذا أراد إيجاد شيء كما يعطيه سياق الآية و قد ورد في عدة من الآيات القضاء مكان الإرادة كقوله: {إِذَا قَضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}۱ و لا ضير فالقضاء هو الحكم و القضاء و الحكم و الإرادة من الله شيء واحد و هو كون٢ الشيء الموجود بحيث ليس له من الله سبحانه إلا أن يوجد فمعنى إذا أردناه إذا أوقفناه موقف تعلق الإرادة.
و قوله: {أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ} خبر إنما أمره أي يخاطبه بكلمة كن و من المعلوم أن ليس هناك لفظ يتلفظ به و إلا احتاج في وجوده إلى لفظ آخر و هلم جرا فيتسلسل و لا أن هناك مخاطبا ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به لأدائه إلى الخلف فالكلام تمثيل لإفاضته تعالى وجود الشيء من غير حاجة إلى شيء آخر وراء ذاته المتعالية و من غير تخلف و لا مهل.
و به يظهر فساد ما ذكره بعضهم حيث قال: الظاهر أن هناك قولا لفظيا هو لفظ كن و إليه ذهب معظم السلف و شئون الله تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام فدع عنك الكلام و الخصام. انتهى.
و ذلك أن ما ذكره من كون شئونه تعالى وراء طور الأفهام لو أبطل الحجة العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية من أصلها فصحة الكتاب مثلا بما يفيده من المعارف الحقيقية إنما تثبت بالحجة العقلية فلو بطلت الحجة العقلية بكتاب أو سنة أو شيء آخر مما يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل مبطلا لنفسه أولا فلا تزل قدم بعد ثبوتها.
و من المعلوم أن ليس هناك إلا الله عز اسمه و الشيء الذي يوجد لا ثالث بينهما و إسناد العلية و السببية إلى إرادته دونه تعالى - و الإرادة صفة فعلية منتزعة من مقام الفعل كما تقدم - يستلزم انقطاع حاجة الأشياء إليه تعالى من رأس لاستيجابه استغناء الأشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى و تقدس.
- البقرة: ١٧، آل عمران: ٤٧، مريم: ٣٥، المؤمن: ٦٨.
- فإن هذه الإرادة صفة فعلية خارجة عن الذات منتزعة عن مقام الفعل.

