تفسير الميزان ج۱۷
108و قيل: المراد مضيهم نحو مقاصدهم و رجوعهم إلى منازلهم و أهليهم و لا يخلو من بعد.
قوله تعالى: {وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي اَلْخَلْقِ أَ فَلاَ يَعْقِلُونَ} التعمير التطويل في العمر، و التنكيس تقليب الشيء بحيث يعود أعلاه أسفله و يتبدل قوته ضعفا و زيادته نقصا و الإنسان في عهد الهرم منكس الخلق يتبدل قوته ضعفا و علمه جهلا و ذكره نسيانا.
و الآية في مقام الاستشهاد بتنكيس الخلق على إمكان مضمون الآيتين السابقتين و المراد أن الذي ينكس خلق الإنسان إذا عمره قادر على أن يطمس على أعينهم و على أن يمسخهم على مكانتهم.
و في قوله: {أَ فَلاَ يَعْقِلُونَ} توبيخهم على عدم التعقل و حثهم على التدبر في هذه الأمور و الاعتبار بها.
قوله تعالى: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ} عطف و رجوع إلى ما تقدم في صدر السورة من تصديق رسالة النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و كون كتابه تنزيلا من عنده تعالى.
فقوله: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ} نفى أن يكون علمه الشعر و لازمه أن يكون بحيث لا يحسن قول الشعر لا أن يحسنه و يمتنع من قوله للنهي من الله متوجه إليه، و لا أن النازل من القرآن ليس بشعر و إن أمكنه (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يقوله.
و به يظهر أن قوله: {وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ} في مقام الامتنان عليه بأنه نزهه عن أن يقول شعرا فالجملة في مقام دفع الدخل و المحصل أن عدم تعليمنا إياه الشعر ليس يوجب نقصا فيه و لا أنه تعجيز له بل لرفع درجته و تنزيه ساحته عما يتعاوره العارف بصناعة الشعر فيقع في معرض تزيين المعاني بالتخيلات الشعرية الكاذبة التي كلما أمعن فيها كان الكلام أوقع في النفس، و تنظيم الكلام بأوزان موسيقية ليكون أوقع في السمع، فلا ينبغي له (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يقول الشعر و هو رسول من الله و آية رسالته و متن دعوته القرآن المعجز في بيانه الذي هو ذكر و قرآن مبين.
و قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ} تفسير و توضيح لقوله: {وَ مَا عَلَّمْنَاهُ اَلشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ} بما أن لازم معناه أن القرآن ليس بشعر فالحصر المستفاد من

