تفسير الميزان ج۱۷
29فيصرح بالتسخير بخلاف ما هاهنا ثم التسخير له غايات كثيرة منها ابتغاء الفضل و الأنسب لذلك عطف {لِتَبْتَغُوا} على محذوف ليدل على عدم انحصار الغاية في ابتغاء الفضل بخلاف ما هاهنا فإن الغرض بيان أنه الرازق المدبر ليرتدع المكذبون و قد تقدم ذكر تكذيبهم عن تكذيبهم و يكفي في ذلك بيان ابتغائهم الفضل غاية من غير حاجة إلى العطف و الله أعلم.
و قال في روح المعاني في المقام: و الذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذلك سوابقها و لواحقها و تعقيب الآيات بقوله سبحانه: {وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اَللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة و هو مخر الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطرادا أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفا فقدم فيه {فِيهِ} إيذانا بأنه ليس المقصود بالذات ذلك، و كان الاهتمام بما هناك اقتضى أن يقال في تلك الآية: {وَ لِتَبْتَغُوا} بالواو و مخالفة ما هنا لذلك اقتضت ترك الواو في قوله: {لِتَبْتَغُوا} انتهى.
قوله تعالى: {يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهَارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهَارَ فِي اَللَّيْلِ وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} إلخ. إيلاج الليل في النهار قصر النهار بطول الليل و إيلاج النهار في الليل قصر الليل بطول النهار، و المراد بالجملتين الإشارة إلى اختلاف الليل و النهار في الطول و القصر المستمر في أيام السنة بتغير الأيام و لذا عبر بقوله: {يُولِجُ} الدال على استمرار التغيير بخلاف جريان الشمس و القمر فإنه ثابت على حاله و لذا عبر فيه بقوله: {وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} و العناية صورية مسامحية.
و قوله: {ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ} بمنزلة النتيجة لما تقدم أي إذا كان أمر خلقكم و تدبيركم برا و بحرا و أرضا و سماء منتسبا إليه مدبرا بتدبيره فذلكم الله ربكم الذي يملككم و يدبر أمركم.
و قوله: {لَهُ اَلْمُلْكُ} مستنتج مما قبله و توطئة و تمهيد لما بعده من قوله: {وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}.
و قوله: {وَ اَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} القطمير على ما قاله الراغب الأثر على رأس النواة و ذلك مثل للشيء الطفيف، و في المجمع، القطمير لفافة النواة.
و قيل: الحبة في بطن النواة انتهى و الكلام على أي حال مبالغة في نفي أصل الملك

