تفسير الميزان ج۱۷
27و الكافر في الكمال الفطري و إن تشاركا في غالب الخواص الإنسانية و آثارها فالمؤمن باق على فطرته الأصلية ينال بها سعادة الحياة الدائمة و الكافر منحرف فيها متلبس بما لا تستطيبه الفطرة الإنسانية و سيعذب بأعماله فمثلهما مثل البحرين المختلفين عذوبة و ملوحة فهما مختلفان من حيث البقاء على فطرة الماء الأصلية و هي العذوبة و الخروج عنها بالملوحة و إن اشتركا في بعض الآثار التي ينتفع بها، فمن كل منهما تأكلون لحما طريا و هو لحم السمك و الطير المصطاد من البحر و تستخرجون حلية تلبسونها كاللؤلؤ و المرجان و الأصداف.
فظاهر الآية أن الحلية المستخرجة مشتركة بين البحر العذب و البحر المالح لكن جمعا من المفسرين استشكلوا ذلك بأن اللؤلؤ و المرجان إنما يستخرجان من البحر المالح دون العذب، و قد أجابوا عنه بأجوبة مختلفة.
منها أن الآية مسوقة لبيان اشتراك البحرين في مطلق الفائدة و إن اختص ببعضها كأنه قيل: و من كل تنتفعون و تستفيدون كما تأكلون منهما لحما طريا و تستخرجون من البحر المالح حلية تلبسونها و ترى الفلك فيه مواخر.
و منها أنه شبه المؤمن و الكافر بالعذب و الأجاج ثم فضل الأجاج على الكافر بأن في الأجاج بعض النفع و الكافر لا نفع في وجوده فالآية على طريقة قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} ثم قال: {وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهَارُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمَاءُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ} البقرة: ٧٤.
و منها أن قوله: {وَ تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} من تتمة التمثيل على معنى أن البحرين و إن اشتركا في بعض المنافع تفاوتا فيما هو المقصود بالذات لأن أحدهما خالطه ما خرج به عن صفاء فطرته و المؤمن و الكافر و إن اتفقا أحيانا في بعض المكارم كالشجاعة و السخاوة متفاوتان فيما هو الأصل لبقاء أحدهما على صفاء الفطرة الأصلية دون الآخر.
و منها أنه لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة و إن لم نره فالإشكال باختصاص الحلية بالماء المالح ممنوع.
و منها منع أصل الدعوى و هو كون الآية {وَ مَا يَسْتَوِي اَلْبَحْرَانِ} إلخ. تمثيلا

