تفسير الميزان ج۱۷
23المسبب و هو طلبها من عنده أي اكتسابها منه بالعبودية التي لا تحصل إلا بالإيمان و العمل الصالح.
قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} الكلم كما قيل اسم جنس جمعي يذكر و يؤنث، و قال في المجمع: و الكلم جمع كلمة يقال؟ هذا كلم و هذه كلم فيذكر و يؤنث، و كل جمع ليس بينه و بين واحده إلا الهاء يجوز فيه التذكير و التأنيث انتهى.
و المراد بالكلم على أي حال ما يفيد معنى تاما كلاميا و يشهد به توصيفه بالطيب فطيب الكلم هو ملاءمته لنفس سامعه و متكلمه بحيث تنبسط منه و تستلذه و تستكمل به و ذلك إنما يكون بإفادته معنى حقا فيه سعادة النفس و فلاحها.
و بذلك يظهر أن المراد به ليس مجرد اللفظ بل بما أن له معنى طيبا فالمراد به الاعتقادات الحقة التي يسعد الإنسان بالإذعان لها و بناء عمله عليها و المتيقن منها كلمة التوحيد التي يرجع إليها سائر الاعتقادات الحقة و هي المشمولة لقوله تعالى: {أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَ فَرْعُهَا فِي اَلسَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} إبراهيم: ٢٥ و تسمية الاعتقاد قولا و كلمة أمر شائع بينهم.
و صعود الكلم الطيب إليه تعالى هو تقربه منه تعالى اعتلاء و هو العلي الأعلى رفيع الدرجات، و إذ كان اعتقادا قائما بمعتقده فتقربه منه تعالى تقرب المعتقد به منه، و قد فسروا صعود الكلم الطيب بقبوله تعالى له و هو من لوازم المعنى.
ثم إن الاعتقاد و الإيمان إذا كان حق الاعتقاد صادقا إلى نفسه صدقه العمل و لم يكذبه أي يصدر عنه العمل على طبقه فالعمل من فروع العلم و آثاره التي لا تنفك عنه، و كلما تكرر العمل زاد الاعتقاد رسوخا و جلاء و قوي في تأثيره فالعمل الصالح و هو العمل الحري بالقبول الذي طبع عليه بذل العبودية و الإخلاص لوجهه الكريم يعين الاعتقاد الحق في ترتب أثره عليه و هو الصعود إليه تعالى و هو المعزى إليه بالرفع فالعمل الصالح يرفع الكلم الطيب.
فقد تبين بما مر معنى قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ وَ اَلْعَمَلُ اَلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} و أن ضمير {إِلَيْهِ} لله سبحانه و المراد بالكلم الطيب الاعتقاد الحق كالتوحيد، و بصعوده

