تفسير الميزان ج۱۷
18ابتلائه و استدراجه و كيده أخرى فيرون أن الاشتغال بالدنيا و نسيان الآخرة و الإعراض عن الحق و الحقيقة لا يستعقب عقوبة و لا يستتبع مؤاخذة، و أن أبناء الدنيا كلما أمعنوا في طلبهم و توغلوا في غفلتهم و استغرقوا في المعاصي و الذنوب زادوا في عيشهم طيبا و في حياتهم راحة و بين الناس جاها و عزة فيلقي الشيطان عند ذلك في قلوبهم أن لا كرامة إلا في التقدم في الحياة الدنيا، و لا خبر عما وراءها و ليس ما تتضمنه الدعوة الحقة من الوعد و الوعيد و تخبر به النبوة من البعث و الحساب و الجنة و النار إلا خرافة.
فالمراد بغرور الشيطان الإنسان بالله اغترار الإنسان بما يعامل به الله الإنسان على غفلته و ظلمه.
و ربما قيل: إن المراد بالغرور الدنيا الغارة للإنسان و أن قوله: {وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} تأكيد لقوله: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا} بتكراره معنى.
قوله تعالى: {إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} إلخ. تعليل للنهي المتقدم في قوله: {وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} و المراد بعداوة الشيطان أنه لا شأن له إلا إغواء الإنسان و تحريمه سعادة الحياة و حسن العاقبة، و المراد باتخاذ الشيطان عدوا التجنب من اتباع دعوته إلى الباطل و عدم طاعته فيما يشير إليه في وساوسه و تسويلاته و لذلك علل عداوته بقوله: {إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ}.
فقوله: {إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ اَلسَّعِيرِ} في مقام تعليل ما تقدمه و الحزب هو العدة من الناس يجمعهم غرض واحد، و اللام في {لِيَكُونُوا} للتعليل فكونهم من أصحاب السعير علة غائية لدعوته، و السعير النار المسعرة و هو من أسماء جهنم في القرآن.
قوله تعالى: {اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ} هذا هو الوعد الحق الذي ذكره الله سبحانه، و تنكير العذاب للدلالة على التفخيم على أن لهم دركات و مراتب مختلفة من العذاب باختلاف كفرهم و فسوقهم فالإبهام أنسب و يجري نظير الوجهين في قوله: {مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ}.
قوله تعالى: {أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اَللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} تقرير و بيان للتقسيم الذي تتضمنه الآية السابقة أعني تقسيم الناس إلى كافر

