تفسير الميزان ج۱۷
17{غَيْرُ اَللَّهِ} صفة لخالق تابع لمحله، و كذا قوله: {يَرْزُقُكُمْ} إلخ. و {مِنْ خَالِقٍ} مبتدأ محذوف الخبر و هو موجود، و قوله: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} اعتراض، و قوله: {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} تفريع على ما تقدمه.
قوله تعالى: {وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَ إِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ} تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أي و إن يكذبوك بعد استماع هذه البراهين الساطعة فلا تحزن فليس ذلك ببدع فقد كذبت رسل من قبلك كذبتهم أممهم و أقوامهم و إلى الله ترجع عامة الأمور فيجازيهم بما يستحقونه بتكذيبهم الحق بعد ظهوره فليسوا بمعجزين بتكذيبهم.
و من هنا يظهر أن قوله: {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} من قبيل وضع السبب موضع المسبب و أن قوله: {وَ إِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ} معطوف على قوله: {فَقَدْ كُذِّبَتْ} إلخ.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} خطاب عام للناس يذكرهم بالمعاد كما كان الخطاب العام السابق يذكرهم بتوحده تعالى في الربوبية و الألوهية.
فقوله: {إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ} أي وعده أنه يبعثكم فيجازي كل عامل بعمله إن خيرا و إن شرا {حَقٌّ} أي ثابت واقع، و قد صرح بهذا الوعد في قوله الآتي: {اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ}.
و قوله: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا} النهي و إن كان متوجها إلى الحياة الدنيا صورة لكنه في الحقيقة متوجه إليهم، و المعنى إذا كان وعد الله حقا فلا تغتروا بالحياة الدنيا بالاشتغال بزينتها و التلهي بما ينسيكم يوم الحساب من ملاذها و ملاهيها و الاستغراق في طلبها و الإعراض عن الحق.
و قوله: {وَ لاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ اَلْغَرُورُ} الغرور بفتح الغين صيغة مبالغة من الغرور بالضم و هو الذي يبالغ في الغرور و من عادته ذلك، و الظاهر - كما قيل - إن المراد به الشيطان و يؤيده التعليل الواقع في الآية التالية: {إِنَّ اَلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} إلخ.
و معنى غروره بالله توجيهه أنظارهم إلى مظاهر حلمه و عفوه تعالى تارة و مظاهر

