تفسير الميزان ج۱۵
181و فيه أيضا: و متى قيل: كيف اكتفى بهذا القدر في جوابهم؟ قلنا: لما تقدم التحدي و عجزهم عن الإتيان بمثله اكتفى هاهنا بالتنبيه على ذلك انتهى و الظاهر أن الجواب عن قولهم: {إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ اِفْتَرَاهُ} إلخ، و قولهم: {أَسَاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهَا} إلخ، جميعا هو قوله تعالى: {قُلْ أَنْزَلَهُ اَلَّذِي يَعْلَمُ اَلسِّرَّ} إلخ، على ما سنبين و الجملة أعني قوله: {فَقَدْ جَاؤُ ظُلْماً وَ زُوراً} رد مطلق لقولهم و هو في معنى المنع مع السند و سنده الآيات المشتملة على التحدي.
و بالجملة معنى الآية: و قال الذين كفروا من العرب ليس هذا القرآن إلا كلاما مصروفا عن وجهه - حيث إنه كلام محمد(صلى الله عليه وآله و سلم)و قد نسبه إلى الله - افترى به على الله و أعانه على هذا الكلام قوم آخرون و هم بعض أهل الكتاب فقد فعل هؤلاء الذين كفروا بقولهم هذا ظلما و كذبا.
قوله تعالى: {وَ قَالُوا أَسَاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ اِكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً} الأساطير جمع أسطورة بمعنى الخبر المكتوب و يغلب استعماله في الأخبار الخرافية و الاكتتاب هو الكتابة و نسبته إليه (صلی الله عليه و أله وسلم) مع كونه أميا لا يكتب إنما هي بنوع من التجوز ككونه مكتوبا باستدعاء منه كما يقول الأمير كتبت إلى فلان كذا و كذا و إنما كتبه كاتبه بأمره، و الدليل على ذلك قوله بعد: {فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً} إذ لو كان هو الكاتب لم يكن معنى للإملاء، و قيل: الاكتتاب بمعنى الاستكتاب.
و الإملاء إلقاء الكلام إلى المخاطب بلفظه ليحفظه و يعيه أو إلى الكاتب ليكتبه و المراد به في الآية هو المعنى الأول على ما يعطيه سياق {اِكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ} إذ ظاهره تحقق الاكتتاب دفعة و الإملاء تدريجا على نحو الاستمرار فهي مكتوبة مجموعة عنده تقرأ عليه وقتا بعد وقت و هو يعيها فيقرأ على الناس ما وعاه و حفظه.
و البكرة و الأصيل الغداة و العشي، و هو كناية عن الوقت بعد الوقت، و قيل المراد أول النهار قبل خروج الناس من منازلهم و آخر النهار بعد دخولهم في منازلهم و هو كناية عن أنها تملى عليه خفية.
و الآية بمنزلة التفسير للآية السابقة فكأنهم يوضحون قولهم: إنه إفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون بأنهم كتبوا له أساطير الأولين ثم يملونها عليه وقتا بعد وقت

