تفسير الميزان ج۱٤
48في آخر قصة يحيى المتقدمة.
نعم بين التسليمتين فرق، فالسلام في قصة يحيى نكرة يدل على النوع، و في هذه القصة محلى بلام الجنس يفيد بإطلاقه الاستغراق، و فرق آخر و هو أن المسلم على يحيى هو الله سبحانه و على عيسى هو نفسه.
قوله تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ اَلْحَقِّ اَلَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} الظاهر أن هذه الآية و التي تليها معترضتان، و الآية الثالثة: {وَ إِنَّ اَللَّهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ} من تمام قول عيسى (عليه السلام).
و قوله: {ذَلِكَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ} الإشارة فيه إلى مجموع ما قص من أمره و شرح من وصفه أي ذلك الذي ذكرنا كيفية ولادته و ما وصفه هو للناس من عبوديته و إيتائه الكتاب و جعله نبيا هو عيسى بن مريم.
و قوله: {قَوْلَ اَلْحَقِّ} منصوب بمقدر أي أقول قول الحق، و قوله: {اَلَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ} أي يشكون أو يتنازعون، وصف لعيسى، و المعنى: ذلك عيسى بن مريم الذي يشكون أو يتنازعون فيه.
و قيل: المراد بقول الحق كلمة الحق و هو عيسى (عليه السلام) لأن الله سبحانه سماه كلمته في قوله: {وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلىَ مَرْيَمَ}: النساء: ١٧١ و قوله: {يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ}: آل عمران: ٤٥، و قوله: {بِكَلِمَةٍ مِنَ اَللَّهِ}: آل عمران: ٣٩، و عليه فقول الحق منصوب على المدح، و يؤيد المعنى الأول قوله تعالى في هذا المعنى في آخر القصة من سورة آل عمران: {اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ اَلْمُمْتَرِينَ}: آل عمران: ٦٠.
قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضىَ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} نفي و إبطال لما قالت به النصارى من بنوة المسيح، و قوله: {إِذَا قَضىَ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ} حجة أقيمت على ذلك، و قد عبر بلفظ القضاء للدلالة على ملاك الاستحالة.
و ذلك أن الولد إنما يراد للاستعانة به في الحوائج، و الله سبحانه غني عن ذلك لا يتخلف مراد عن إرادته إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.
و أيضا الولد هو أجزاء من وجود الوالد يعزلها ثم يربيها بالتدريج حتى يصير

