تفسير الميزان ج۱٤
43المنادي مع من يناديه، و يؤيده أيضا احتفافه بالضمائر الراجعة إلى عيسى (عليه السلام).
و قيل: الضمير للروح و أصلح كون الروح تحتها بأنها كانت حين الوضع في أكمة و كان الروح واقفا تحت الأكمة فناداها من تحتها، و لا دليل على شيء من ذلك من جهة اللفظ.
و لا يبعد أن يستفاد من ترتب قوله: {فَنَادَاهَا} على قوله: {قَالَتْ يَا لَيْتَنِي} إلخ، أنها إنما قالت هذه الكلمة حين الوضع أو بعده فعقبها (عليه السلام) بقوله: لا تخزني، إلخ.
و قوله: {أَلاَّ تَحْزَنِي} تسلية لها لما أصابها من الحزن و الغم الشديد فإنه لا مصيبة هي أمر و أشق على المرأة الزاهدة المتنسكة و خاصة إذا كانت عذراء بتولا من أن تتهم في عرضها و خاصة إذا كانت من بيت معروف بالعفة و النزاهة في حاضر حاله و سابق عهده و خاصة إذا كانت تهمة لا سبيل لها إلى الدفاع عن نفسها و كانت الحجة للخصم عليها، و لذا أشار أن لا تتكلم مع أحد و تكفل هو الدفاع عنها و تلك حجة لا يدفعها دافع.
و قوله: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} السري جدول الماء، و السري هو الشريف الرفيع، و المعنى الأول هو الأنسب للسياق، و من القرينة عليه قوله: بعد: {فَكُلِي وَ اِشْرَبِي} كما لا يخفى.
و قيل: المراد هو المعنى الثاني و مصداقه عيسى (عليه السلام)، و قد عرفت أن السياق لا يساعد عليه، و على أي تقدير الجملة إلى آخر كلامه تطييب لنفس مريم (عليه السلام).
و قوله: {وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا} الهز هو التحريك الشديد، و نقل عن الفراء أن العرب تقول: هزه و هز به، و المساقطة هي الإسقاط، و ضمير {تُسَاقِطْ} للنخلة، و نسبة الهز إلى الجذع و المساقطة إلى النخلة لا تخلو من إشعار بأن النخلة كانت يابسة و إنما اخضرت و أورقت و أثمرت رطبا جنيا لساعتها، و الرطب هو نضيج البسر، و الجني هو المجني و ذكر في القاموس على ما نقل أن الجني إنما يقال لما جني من ساعته.
قوله تعالى: {فَكُلِي وَ اِشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً} قرار العين كناية عن المسرة يقال:

