تفسير الميزان ج۱٤
42و لذا قالت: {وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا} فنفت النكاح و الزنا في الماضي.
قوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} إلخ، أي قال الروح الأمر كذلك أي كما وصفته لك ثم قال: {قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ}، و قد تقدم في قصة زكريا و يحيى (عليه السلام) توضيح ما للجملتين.
و قوله: {وَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا} ذكر بعض ما هو الغرض من خلق المسيح على هذا النهج الخارق، و هو معطوف على مقدر أي خلقناه بنفخ الروح من غير أب لكذا و كذا و لنجعله آية للناس بخلقته و رحمة منا برسالته و الآيات الجارية على يده و حذف بعض الغرض و عطف بعضه المذكور عليه كثير في القرآن كقوله تعالى: {وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ}: الأنعام: ٧٥، و في هذه الصنعة إيهام أن الأغراض الإلهية أعظم من أن يحيط بها فهم أو يفي بتمامها لفظ.
و قوله: {وَ كَانَ أَمْراً مَقْضِيًّا} إشارة إلى تحتم القضاء في أمر هذا الغلام الزكي فلا يرد بإباء أو دعاء.
قوله تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيًّا} القصي البعيد أي حملت بالولد فانفرد و اعتزلت به مكانا بعيدا من أهله.
قوله تعالى: {فَأَجَاءَهَا اَلْمَخَاضُ إِلىَ جِذْعِ اَلنَّخْلَةِ} إلى آخر الآية، الإجاءة إفعال من جاء يقال: أجاءه و جاء به بمعنى و هو في الآية كناية عن الدفع و الإلجاء، و المخاض و الطلق وجع الولادة، و جذع النخلة ساقها، و النسي بفتح النون و كسرها كالوتر و الوتر هو الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى، و المعنى أنها لما اعتزلت من قومها في مكان بعيد منهم دفعها و ألجأها الطلق إلى جذع نخلة كان هناك لوضع حملها و التعبير بجذع النخلة دون النخلة مشعر بكونها يابسة غير مخضرة و قالت استحياء من الناس يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا و شيئا لا يعبأ به منسيا لا يذكر فلم يقع فيه الناس كما سيقع الناس في.
قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي} إلى آخر الآيتين ظاهر السياق أن ضمير الفاعل في {فَنَادَاهَا} لعيسى (عليه السلام) لا للروح السابق الذكر، و يؤيده تقييده بقوله: {مِنْ تَحْتِهَا} فإن هذا القيد أنسب لحال المولود مع والدته حين الوضع منه لحال الملك

