تفسير الميزان ج۱٤
17الأمرين في ضمن دعائه إذ قال: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ اَلْعَظْمُ مِنِّي} إلخ، مبني على استعجاب البشرى و استفسار خصوصياتها دون الاستبعاد و الإنكار فإن من بشر بما لا يتوقعه لتوفر الموانع و فقدان الأسباب تضطرب نفسه بادئ ما يسمعها فيأخذ في السؤال عن خصوصيات ما بشر به ليطمئن قلبه و يسكن اضطراب نفسه و هو مع ذلك على يقين من صدق ما بشر به فإن الخطورات النفسانية ربما لا تنقطع مع وجود العلم و الإيمان و قد تقدم نظيره في تفسير قوله تعالى: {وَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ اَلْمَوْتىَ قَالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلىَ وَ لَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}: البقرة: ٢٦٠.
قوله تعالى: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً} جواب عما استفهمه و استفسره لتطيب به نفسه، و يسكن جأشه، و ضمير قال راجع إليه تعالى، و قوله: {كَذَلِكَ} مقول القول و هو خبر مبتدإ محذوف و التقدير «هو كذلك» أي الأمر واقع على ما أخبرناك به في البشرى لا ريب فيه.
و قوله: {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} مقول ثان لقال الأول، و هو بمنزلة التعليل لقوله: {كَذَلِكَ} يرتفع به أي استعجاب فلا يتخلف عن إرادته مراد و إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن، فخلق غلام من رجل بالغ في الكبر و امرأة عاقر هين سهل عليه.
و قد وقع التعبير عن هذا الاستفهام و الجواب في سرد القصة من سورة آل عمران بقوله: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ اَلْكِبَرُ وَ اِمْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}: آل عمران: ٤٠، فقوله: {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} هاهنا يحاذي قوله هناك: {اَللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} و هو يؤيد ما قدمناه من المعنى، و قوله هاهنا: {وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً} بيان لبعض مصاديق الخلق الذي يرفع به الاستعجاب.
و في الآية وجوه أخر تعرضوا لها: منها أن قوله: {كَذَلِكَ} متعلق بقال الثاني و مجموع الجملة هو الجواب و المراد أمر ربك بذلك و قضى كذلك، و قوله: {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} مقول آخر للقول أو أنه جيء به على سبيل الحكاية.
و منها أن الخطاب في قوله: {قَالَ رَبُّكَ} للنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) لا لزكريا (عليه السلام) و تلك وجوه لا يساعد عليها السياق.

