تفسير الميزان ج۱۳
54مر من جهة اليمين إلى الشمال تشأموا و لذا سمي تطيرا. انتهى.
و قال في المفردات: تطير فلان و أطير أصله التفاؤل بالطير ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به و يتشاءم {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} و لذلك قيل: لا طير إلا طيرك و قال: {إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا} أي يتشاءموا به {أَلاَ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اَللَّهِ} أي شؤمهم ما قد أعد الله لهم بسوء أعمالهم و على ذلك قوله: {قَالُوا اِطَّيَّرْنَا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ} {قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ} {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} {وَ كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} أي عمله الذي طار عنه من خير و شر و يقال: تطايروا إذا أسرعوا و يقال إذا تفرقوا. انتهى.
و بالجملة سياق ما قبل الآية و ما بعدها و خاصة قوله: {مَنِ اِهْتَدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} إلخ، يعطي أن المراد بالطائر ما يستدل به على الميمنة و المشأمة و يكشف عن حسن العاقبة و سوءها فلكل إنسان شيء يرتبط بعاقبة حاله يعلم به كيفيتها من خير أو شر.
و إلزام الطائر جعله لازما له لا يفارقه، و إنما جعل الإلزام في العنق لأنه العضو الذي لا يمكن أن يفارقه الإنسان أو يفارق هو الإنسان بخلاف الأطراف كاليد و الرجل، و هو العضو الذي يوصل الرأس بالصدر فيشاهد ما يعلق عليه من قلادة أو طوق أو غل أول ما يواجه الإنسان.
فالمراد بقوله: {وَ كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} أن الذي يستعقب لكل إنسان سعادته أو شقاءه هو معه لا يفارقه بقضاء من الله سبحانه فهو الذي ألزمه إياه، و هذا هو العمل الذي يعمله الإنسان لقوله تعالى: {وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعى وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزَاهُ اَلْجَزَاءَ اَلْأَوْفى} النجم: ٤١.
فالطائر الذي ألزمه الله الإنسان في عنقه هو عمله، و معنى إلزامه إياه أن الله قضى أن يقوم كل عمل بعامله و يعود إليه خيره و شره و نفعه و ضره من غير أن يفارقه إلى غيره، و قد استفيد من قوله تعالى: {وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}... {إِنَّ اَلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ} الآيات: الحجر: ٤٥ أن من القضاء المحتوم أن حسن العاقبة للإيمان و التقوى و سوء العاقبة للكفر و المعصية.

