تفسير الميزان ج۱۳
366و تبقى هذه الرحمة إلى مجيء وعد ربي فإذا جاء وعد ربي جعله مدكوكا و سوى به الأرض.
و المراد بالوعد إما وعد منه تعالى خاص بالسد أنه سيندك عند اقتراب الساعة فيكون هذا ملحمة أخبر بها ذو القرنين، و إما وعده تعالى العام بقيام الساعة الذي يدك الجبال و يخرب الدنيا، و قد أكد القول بجملة {وَ كَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا}.
قوله تعالى: {وَ تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} إلخ ظاهر السياق أن ضمير الجمع للناس و يؤيده رجوع ضمير {فَجَمَعْنَاهُمْ} إلى الناس قطعا لأن حكم الجمع عام.
و في قوله: {بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} استعارة، و المراد أنهم يضطربون يومئذ من شدة الهول اضطراب البحر باندفاع بعضه إلى بعض فيرتفع من بينهم النظم و يحكم فيهم الهرج و المرج و يعرض عنهم ربهم فلا يشملهم برحمته، و لا يصلح شأنهم بعنايته.
فالآية بمنزلة التفصيل للإجمال الذي في قول ذي القرنين: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ} و نظيره قوله تعالى في موضع آخر: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَ اِقْتَرَبَ اَلْوَعْدُ اَلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} الأنبياء: ٩٧. و هي على أي حال من الملاحم.
و قد بان مما مر أن الترك في الآية بمعناه المتبادر منه و هو خلاف الأخذ و لا موجب لما ذكره بعضهم: أن الترك بمعنى الجعل و هو من الأضداد انتهى.
و الآية من كلام الله سبحانه و ليست من تمام كلام ذي القرنين و الدليل عليه تغيير السياق من الغيبة إلى التكلم مع الغير الذي هو سياق كلامه السابق {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ} {قُلْنَا يَا ذَا اَلْقَرْنَيْنِ}، و لو كان من تمام كلام ذي القرنين لقيل: و ترك بعضهم على حذاء قوله: {جَعَلَهُ دَكَّاءَ}.
و قوله: {وَ نُفِخَ فِي اَلصُّورِ} إلخ هي النفخة الثانية التي فيها الإحياء بدليل قوله {فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً وَ عَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً}.
قوله تعالى: {اَلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً}

