تفسير الميزان ج۱۳
363قوله تعالى: {كَذَلِكَ وَ قَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} الظاهر أن قوله: {كَذَلِكَ} إشارة إلى وصفهم المذكور في الكلام، و تشبيه الشيء بنفسه مبنيا على دعوى المغايرة يفيد نوعا من التأكيد، و قد قيل في المشار إليه بذلك وجوه أخر بعيدة عن الفهم.
و قوله: {وَ قَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً} الضمير لذي القرنين، و الجملة حالية و المعنى أنه اتخذ وسيلة السير و بلغ مطلع الشمس و وجد قوما كذا و كذا في حال أحاط فيها علمنا و خبرنا بما عنده من عدة و عدة و ما يجريه أو يجري عليه، و الظاهر أن إحاطة علمه تعالى بما عنده كناية عن كون ما اختاره و أتى به بهداية من الله و أمر، فما كان يرد و لا يصدر إلا عن هداية يهتدي بها و أمر يأتمره كما أشار إلى مثل هذا المعنى عند ذكر مسيره إلى المغرب بقوله: {قُلْنَا يَا ذَا اَلْقَرْنَيْنِ} إلخ.
فالآية أعني قوله: {وَ قَدْ أَحَطْنَا} إلخ في معناها الكنائي نظيرة قوله: {وَ اِصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَ وَحْيِنَا} هود: ٣٧، و قوله: {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} النساء: ١٦٦، و قوله: {وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} الجن: ٢٨.
و قيل: إن الآية لإفادة تعظيم أمره و أنه لا يحيط بدقائقه و جزئياته إلا الله أو لتهويل ما قاساه ذو القرنين في هذا المسير و أن ما تحمله من المصائب و الشدائد في علم الله لم يكن ليخفى عليه، أو لتعظيم السبب الذي أتبعه، و ما قدمناه أوجه.
قوله تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ اَلسَّدَّيْنِ} إلى آخر الآية. السد الجبل و كل حاجز يسد طريق العبور و كأن المراد بهما الجبلان، و قوله: {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً} أي قريبا منهما، و قوله: {لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} كناية عن بساطتهم و سذاجة فهمهم، و ربما قيل: كناية عن غرابة لغتهم و بعدها عن اللغات المعروفة عندهم، و لا يخلو عن بعد.
قوله تعالى: {قَالُوا يَا ذَا اَلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ} إلخ الظاهر أن القائلين هم القوم الذين وجدهم من دون الجبلين، و يأجوج و مأجوج جيلان من الناس كانوا يأتونهم من وراء الجبلين فيغيرون عليهم و يعمونهم قتلا و سببا و نهبا و الدليل عليه السياق بما فيه من ضمائر أولي العقل و عمل السد بين الجبلين و غير ذلك.

