تفسير الميزان ج۱۳
360و الذكر إما مصدر بمعنى المفعول و المعنى قل سأتلو عليكم منه أي من ذي القرنين شيئا مذكورا، و إما المراد بالذكر القرآن و قد سماه الله في مواضع من كلامه بالذكر و المعنى قل سأتلو عليكم منه أي من ذي القرنين أو من الله قرآنا و هو ما يتلو هذه الآية من قوله: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ} إلى آخر القصة، و المعنى الثاني أظهر.
قوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي اَلْأَرْضِ وَ آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} التمكين الإقدار يقال: مكنته و مكنت له أي أقدرته فالتمكن في الأرض القدرة على التصرف فيه بالملك كيفما شاء و أراد. و ربما يقال: إنه مصدر مصوغ من المكان بتوهم أصالة الميم فالتمكين إعطاء الاستقرار و الثبات بحيث لا يزيله عن مكانه أي مانع مزاحم.
و السبب الوصلة و الوسيلة فمعنى إيتائه سببا من كل شيء أن يؤتى من كل شيء يتوصل به إلى المقاصد الهامة الحيوية ما يستعمله و يستفيد منه كالعقل و العلم و الدين و قوة الجسم و كثرة المال و الجند و سعة الملك و حسن التدبير و غير ذلك و هذا امتنان منه تعالى على ذي القرنين و إعظام لأمره بأبلغ بيان، و ما حكاه تعالى من سيرته و فعله و قوله المملوءة حكمة و قدرة يشهد بذلك.
قوله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَباً} الإتباع اللحوق أي لحق سببا و اتخذ وصلة وسيلة يسير بها نحو مغرب الشمس.
قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ اَلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَ وَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً} تدل {حَتَّى} على فعل مقدر و تقديره «فسار حتى إذا بلغ» و المراد بمغرب الشمس آخر المعمورة يومئذ من جانب الغرب بدليل قوله: {وَ وَجَدَ عِنْدَهَا قَوْماً}.
و ذكروا أن المراد بالعين الحمئة العين ذات الحمأة و هي الطين الأسود و أن المراد بالعين البحر فربما تطلق عليه، و أن المراد بوجدان الشمس تغرب في عين حمئة موقف على ساحل بحر لا مطمع في وجود بر وراءه فرأى الشمس كأنها تغرب في البحر لمكان انطباق الأفق عليه قيل: و ينطبق هذه العين الحمئة على المحيط الغربي

