تفسير الميزان ج۱۳
351موسى و سأله أن يتبعه فيعلمه شيئا ذا رشد مما علمه الله. قال العالم: إنك لن تستطيع معي صبرا على ما تشاهده من أعمالي التي لا علم لك بتأويلها، و كيف تصبر على ما لم تحط به خبرا؟ فوعده موسى أن يصبر و لا يعصيه في أمر إن شاء الله فقال له العالم بانيا على ما طلبه منه و وعده به: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا.
فانطلق موسى و العالم حتى ركبا سفينة و فيها ناس من الركاب و موسى خالي الذهن عما في قصد العالم فخرق العالم السفينة خرقا لا يؤمن معه الغرق فأدهش ذلك موسى و أنساه ما وعده فقال للعالم: أ خرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال له العالم: أ لم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ فاعتذر إليه موسى بأنه نسي ما وعده من الصبر قائلا: لا تؤاخذني بما نسيت و لا ترهقني من أمري عسرا.
فانطلقا فلقيا غلاما فقتله العالم فلم يملك موسى نفسه دون أن تغير و أنكر عليه ذلك قائلا: أ قتلت نفسا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئا نكرا. قال له العالم ثانيا: أ لم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ فلم يكن عند موسى ما يعتذر به و يمتنع به عن مفارقته و نفسه غير راضية بها فاستدعى منه مصاحبة مؤجلة بسؤال آخر إن أتى به كان له فراقه و استمهله قائلا: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا و قبله العالم.
فانطلقا حتى أتيا قرية و قد بلغ بهما الجوع فاستطعما أهلها فلم يضيفهما أحد منهم و إذا بجدار فيها يريد أن ينقض و يتحذر منه الناس فأقامه العالم. قال له موسى: لو شئت لاتخذت على عملك منهم أجرا فتوسلنا به إلى سد الجوع فنحن في حاجة إليه و القوم لا يضيفوننا.
فقال له العالم: هذا فراق بيني و بينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ثم قال: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر و يتعيشون بها و كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا فخرقتها لتكون معيبة لا يرغب فيها.
و أما الغلام فكان كافرا و كان أبواه مؤمنين، و لو أنه عاش لأرهقهما بكفره

