تفسير الميزان ج۱۳
349فرحمته تعالى سبب لإرادة بلوغهما و استخراجهما كنزهما، و كان يتوقف على قيام الجدار فأقامه الخضر، و كان سبب انبعاث الرحمة صلاح أبيهما و قد عرض أن مات و أيتم الغلامين و ترك كنزا لهما.
و قد طال البحث في التوفيق بين صلاح أبيهما و وجود كنز لهما تحت الجدار الظاهر في كون أبيهما هو الكانز له بناء على ذم الكنز كما يدل عليه قوله تعالى: {وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اَللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} التوبة: ٣٤.
لكن الآية لا تتعرض بأكثر من أن تحته كنز لهما من غير دلالة على أن أباهما هو الذي دفنه و كنزه، على أن وصف أبيهما بالصلاح دليل على كون هذا الكنز أيا ما كان أمرا غير مذموم على تقدير تسليم كون الكانز هو الأب، على أن من الجائز أن يكون أبوهما الصالح كنزه لهما لتأويل يسوغه فما هو بأعظم من خرق السفينة و قتل النفس المحترمة الواردين في القصة و قد جوزهما التأويل بأمر إلهي و هنا بعض روايات ستوافيك في البحث الروائي الآتي إن شاء الله.
و في الآية دلالة على أن صلاح الإنسان ربما ورث أولاده أثرا جميلا و أعقب فيهم السعادة و الخير فهذه الآية في جانب الخير نظيرة قوله تعالى: {وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} النساء: ٩.
و قوله: {وَ مَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} كناية عن أنه إنما فعل ما فعل عن أمر غيره و هو الله سبحانه لا عن أمر أمرته به نفسه.
و قوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} أي ما لم تستطع عليه صبرا من اسطاع يسطيع بمعنى استطاع يستطيع و قد تقدم في أول تفسير سورة آل عمران أن التأويل في عرف القرآن هي الحقيقة التي يتضمنها الشيء و يؤول إليها و يبتني عليها كتأويل الرؤيا و هو تعبيرها، و تأويل الحكم و هو ملاكه و تأويل الفعل و هو مصلحته و غايته الحقيقية، و تأويل الواقعة و هو علتها الواقعية و هكذا.
فقوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ} إلخ إشارة منه إلى أن الذي ذكره للوقائع الثلاث و أعماله فيها هو السبب الحقيقي لها لا ما حسبه موسى من العناوين المترائية من

