تفسير الميزان ج۱۳
348الأظهر من سياق الآية و ما سيأتي من قوله: {وَ مَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} أن يكون المراد بالخشية التحذر عن رأفة و رحمة مجازا لا معناه الحقيقي الذي هو التأثر القلبي الخاص المنفي عنه تعالى و عن أنبيائه كما قال: {وَ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اَللَّهَ} الأحزاب: ٣٩، و أن يكون المراد بقوله: {أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَ كُفْراً} أن يغشيهما ذلك أي يحمل والديه على الطغيان و الكفر بالإغواء و التأثير الروحي لمكان حبهما الشديد له لكن قوله في الآية التالية: {وَ أَقْرَبَ رُحْماً} لا تخلو من تأييد لكون {طُغْيَاناً وَ كُفْراً} تميزين عن الإرهاق أي وصفين للغلام دون أبويه.
قوله تعالى: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً} المراد بكونه خيرا منه زكاة كونه خيرا منه صلاحا و إيمانا بقرينة مقابلته الطغيان و الكفر في الآية السابقة، و أصل الزكاة فيما قيل الطهارة، و المراد بكونه أقرب منه رحما كونه أوصل للرحم و القرابة فلا يرهقهما، و أما تفسيره بكونه أكثر رحمة بهما فلا يناسبه قوله: {أَقْرَبَ} منه تلك المناسبة، و هذا - كما عرفت - يؤيد كون المراد من قوله: {يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَ كُفْراً} في الآية السابقة إرهاقه إياهما بطغيانه و كفره لا تكليفه إياهما الطغيان و الكفر و إغشاؤهما ذلك.
و الآية - على أي حال - تلوح إلى أن إيمان أبويه كان ذا قدر عند الله و يستدعي ولدا مؤمنا صالحا يصل رحمهما و قد كان المقضي في الغلام خلاف ذلك فأمر الله الخضر بقتله ليبدلهما خيرا منه زكاة و أقرب رحما.
قوله تعالى: {وَ أَمَّا اَلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَ كَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} لا يبعد أن يستظهر من السياق أن المدينة المذكورة في هذه الآية غير القرية التي وجدا فيها الجدار فأقامه، إذ لو كانت هي هي لم يكن كثير حاجة إلى ذكر كون الغلامين اليتيمين فيها فكان العناية متعلقة بالإشارة إلى أنهما و من يتولى أمرهما غير حاضرين في القرية.
و ذكر يتم الغلامين و وجود كنز لهما تحت الجدار و لو انقض لظهر و ضاع و كون أبيهما صالحا كل ذلك توطئة و تمهيد لقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} و قوله: {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} تعليل للإرادة.

