تفسير الميزان ج۱۳
347{عَلَيْهِ} للإقامة المفهومة من {فَأَقَامَهُ} و هو مصدر جائز الوجهين، و السياق يشهد أنهما كانا جائعين فذكره موسى أخذ الأجرة على عمله إذ لو كان أخذ أجرا أمكنهما أن يشتريا به شيئا من الطعام يسدان به جوعهما.
قوله تعالى: {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} الإشارة بهذا إلى قول موسى أي هذا القول سبب فراق بيني و بينك أو إلى الوقت أي هذا الوقت وقت فراق بيني و بينك كما قيل، و يمكن أن تكون الإشارة إلى نفس الفراق، و المعنى هذا الفراق قد حضر كأنه كان أمرا غائبا فحضر عند قول موسى: {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ} إلخ و قوله: {بَيْنِي وَ بَيْنِكَ} و لم يقل بيننا للتأكيد، و إنما قال الخضر هذا القول بعد الاعتراض الثالث لأن موسى كان قبل ذلك يعتذر إليه كما في الأول أو يستمهله كما في الثاني، و أما الفراق بعد الاعتراض الثالث فقد أعذره موسى فيه إذ قال بعد الاعتراض الثاني: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي} إلخ و الباقي ظاهر.
قوله تعالى: {أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} إلخ شروع في تفصيل ما وعد إجمالا بقوله: {سَأُنَبِّئُكَ} إلخ و قوله: {أَنْ أَعِيبَهَا} أي أجعلها معيبة و هذه قرينة على أن المراد بكل سفينة كل سفينة غير معيبة.
و قوله: {وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} وراء بمعنى الخلف و هو الظرف المقابل للظرف الآخر الذي يواجهه الإنسان و يسمى قدام و أمام لكن ربما يطلق على الظرف الذي يغفل عنه الإنسان و فيه من يريده بسوء أو مكروه و إن كان قدامه أو فيه ما يعرض عنه الإنسان أو فيه ما يشغل الإنسان بنفسه عن غيره كأن الإنسان ولى وجهه إلى جهة تخالف جهته قال تعالى: {فَمَنِ اِبْتَغى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ اَلعَادُونَ} المؤمنون: ٧، و قال: {وَ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} الشورى: ٥١، و قال: {وَ اَللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ} البروج: ٢٠.
و محصل المعنى: أن السفينة كانت لعدة من المساكين يعملون بها في البحر و يتعيشون به و كان هناك ملك جبار أمر بغصب السفن فأردت بخرقها أن أحدث فيها عيبا فلا يطمع فيها الجبار و يدعها لهم.
قوله تعالى: {وَ أَمَّا اَلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَ كُفْراً}

