تفسير الميزان ج۱۳
344و قد تأدب الخضر معه إذ لم يصرح بالرد أولا بل أشار إليه بنفي استطاعته على الصبر ثم لما وعده موسى بالصبر إن شاء الله لم يأمره بالاتباع بل خلى بينه و بين ما يريد فقال: {فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي} ثم لم ينهه عن السؤال نهيا مطلقا في صورة المولوية المحضة بل علقه على اتباعه فقال: {فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْئَلْنِي} حتى يفيد أنه لا يقترح عليه بالنهي بل هو أمر يقتضيه الاتباع.
قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي اَلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَ خَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} الإمر بكسر الهمزة الداهية العظيمة، و قوله: {فَانْطَلَقَا} تفريع على ما تقدمه، و المنطلقان هما موسى و الخضر و هو ظاهر في أن موسى لم يصحب فتاه في سيره مع الخضر، و اللام في قوله: {لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} للغاية فإن الغرق و إن كان عاقبة للخرق و لم يقصده الخضر البتة لكن العاقبة الضرورية ربما تؤخذ غاية مقصودة ادعاه لوضوحها كما يقال: أ تفعل كذا لتهلك نفسك؟ و المعنى ظاهر.
قوله تعالى: {قَالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} إنكار لسؤال موسى و تذكير لما قاله من قبل: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ} إلخ.
قوله تعالى: {قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَ لاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} الرهق الغثيان بالقهر و الإرهاق التكليف، و المعنى لا تؤاخذني بنسياني الوعد و غفلتي عنه و لا تكلفني عسرا من أمري، و ربما يفسر النسيان بمعنى الترك، و الأول أظهر و الكلام اعتذار على أي حال.
قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً} في الكلام بعض الحذف للإيجاز و التقدير: فخرجا من السفينة و انطلقا.
و في قوله: {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ} إلخ {فَقَتَلَهُ} معطوف على الشرط بفاء التفريع و {قَالَ} جزاء {إِذَا} على ما هو ظاهر الكلام: و بذلك يظهر أن العمدة في الكلام ذكر اعتراض موسى لا ذكر القتل، و نظيرته الآية اللاحقة {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } - إلى قوله - {قَالَ لَوْ شِئْتَ} إلخ بخلاف الآية السابقة:

