تفسير الميزان ج۱۳
342الكرام فيه عمل كالوحي و نحوه يؤيد أن يكون المراد بقوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} حيث جيء بنون العظمة و لم يقل: من عندي هو النبوة دون الولاية، و بهذا يتأيد تفسير من فسر الكلمة بالنبوة و الله أعلم.
و أما قوله: {وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً} فهو أيضا كالرحمة التي من عنده علم لا صنع فيه للأسباب العادية كالحس و الفكر حتى يحصل من طريق الاكتساب و الدليل على ذلك قوله: «من لدنا» فهو علم وهبي غير اكتسابي يختص به أولياءه و آخر الآيات يدل على أنه كان علما بتأويل الحوادث.
قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} الرشد خلاف الغي و هو إصابة الصواب، و هو في الآية مفعول له أو مفعول به، و المعنى قال له موسى هل أتبعك اتباعا مبنيا على هذا الأساس و هو أن تعلمني مما علمت لأرشد به أو تعلمني مما علمت أمرا ذا رشد.
قوله تعالى: {قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} نفي مؤكد لصبره (عليه السلام) على شيء مما يشاهده منه في طريق التعليم و الدليل عليه تأكيد الكلام بأن، و إيراد الصبر نكرة في سياق النفي الدال على إرادة العموم، و نفي الصبر بنفي الاستطاعة التي هي القدرة فهو آكد من أن يقال: لن تصبر، و إيراد النفي بلن و لم يقل: لا تصبر و للفعل توقف على القدرة فهو نفي الفعل بنفي أحد أسبابه ثم نفي الصبر بنفي سبب القدرة عليه و هو إحاطة الخبر و العلم بحقيقة الواقعة و تأويلها حتى يعلم أنها يجب أن تجري على ما جرت عليه.
و قد نفى صبره على مظاهر علمه من الحوادث حيث قال: {لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ} و لم ينف صبره على نفس علمه فلم يقل: لن تصبر على ما أعلمه و لن تتحمله و لم يتغير عليه موسى (عليه السلام) حينما أخبره بتأويل ما رأى منه و إنما تغير عليه عند مشاهدة نفس أفعاله التي أراه إياها في طريق التعليم، فللعلم حكم و لمظاهره حكم و نظير ذلك أن موسى (عليه السلام) لما رجع من الميقات إلى قومه و شاهد أنهم عبدوا العجل من بعده امتلأ غيظا و ألقى الألواح و أخذ برأس أخيه يجره إليه و قد كان الله أخبره بذلك و هو في الميقات فلم يأت بشيء من ذلك و قول الله أصدق من الحس و القصة في سورة الأعراف.

