تفسير الميزان ج۱۳
331الموبق و المهلك بالنار أو بمحل من النار يهلك فيه الفريقان المشركون و شركاءهم لكن التدبر في كلامه تعالى لا يساعد عليه فإن الآية قد أطلقت الشركاء و فيهم - و لعلهم الأكثر - الملائكة و بعض الأنبياء و الأولياء، و أرجع إليهم ضمير أولي العقل مرة بعد مرة، و لا دليل على اختصاصهم بمردة الجن و الإنس و كون جعل الموبق بينهم دليلا على الاختصاص أول الكلام.
فلعل المراد من جعل موبق بينهم إبطال الرابطة و رفعها من بينهم و قد كانوا يرون في الدنيا أن بينهم و بين شركائهم رابطة الربوبية و المربوبية أو السببية و المسببية فكني عن ذلك بجعل موبق بينهم يهلك فيه الرابطة و العلقة من غير أن يهلك الطرفان، و يومئ إلى ذلك بلطيف الإشارة تعبيره عن دعوتهم أولا بالنداء حيث قال: {نَادُوا شُرَكَائِيَ} و النداء إنما يكون في البعيد فهو دليل على بعد ما بينهما.
و إلى مثل هذا المعنى يشير قوله تعالى في موضع آخر من كلامه: {وَ مَا نَرى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ اَلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} الأنعام: ٩٤، و قوله تعالى: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَ شُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَ قَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} يونس: ٢٨.
قوله تعالى: {وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} في أخذ المجرمين مكان المشركين دلالة على أن الحكم عام لجميع أهل الاجرام، و المراد بالظن هو العلم - على ما قيل - و يشهد به قوله: {وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً}.
و المراد بمواقعة النار الوقوع فيها - على ما قيل - و لا يبعد أن يكون المراد حصول الوقوع من الجانبين فهم واقعون في النار بدخولهم فيها و النار واقعة فيهم باشتعالهم بها. و قوله: {وَ لَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} المصرف بكسر الراء اسم مكان من الصرف أي لم يجدوا محلا ينصرفون إليه و يعدلون عن النار و لا مناص.
قوله تعالى: {وَ لَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا اَلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَ كَانَ اَلْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} قد مر الكلام في نظير صدر الآية في سورة أسرى آية ٨٩ و الجدل الكلام

