تفسير الميزان ج۱۳
322للمشركين و هم الذين اطمأنوا إلى أنفسهم و الأسباب الظاهرية التي ترتبط بها حياتهم، و تعلقوا بزينة الحياة كالمتعلق بأمر دائم باق فكان ذلك انقطاعا منهم عن ربهم، و إنكارا للرجوع إليه، و عدم مبالاة بما يأتون به من الأعمال أرضى الله أم أسخطه.
و هذه حالهم ما دام أساس الامتحان الإلهي و الزينة المعجلة بين أيديهم و الأسباب الظاهرية حولهم و لما يقض الأمر أجله ثم إذا حان الحين و تقطعت الأسباب و طاحت الآمال و جعل الله ما عليها من زينة صعيدا جرزا لم يبق إذ ذاك لهم إلا ربهم و أنفسهم و صحيفة أعمالهم المحفوظة عليهم، و عرضوا على ربهم - و ليسوا يرونه ربا لهم و إلا لعبدوه - صفا واحدا لا تفاضل بينهم بنسب أو مال أو جاه دنيوي لفصل القضاء تبين لهم عند ذلك أن الله هو الحق المبين و أن ما يدعونه من دونه و تعلقت به قلوبهم من زينة الحياة و استقلال أنفسهم و الأسباب المسخرة لهم ما كانت إلا أوهاما لا تغني عنهم من الله شيئا و قد أخطئوا إذ تعلقوا بها و أعرضوا عن سبيل ربهم و لم يجروا على ما أراده منهم بل كان ذلك منهم لأنهم توهموا أن لا موقف هناك يوقفون فيه فيحاسبون عليه.
و بهذا البيان يظهر أن هذا الجمل الأربع: {وَ عُرِضُوا} إلخ {لَقَدْ جِئْتُمُونَا} إلخ {بَلْ زَعَمْتُمْ} إلخ {وَ وُضِعَ اَلْكِتَابُ} إلخ نكت أساسية مختارة من تفصيل ما يجري يومئذ بينهم و بين ربهم من حين يحشرون إلى أن يحاسبوا، و اكتفي بها إيجازا في الكلام لحصول الغرض بها.
فقوله: {وَ عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا} إشارة أولاً إلى أنهم ملجئون إلى الرجوع إلى ربهم و لقائه فيعرضون عليه عرضا من غير أن يختاروه لأنفسهم، و ثانياً أن لا كرامة لهم في هذا اللقاء، و يشعر به قوله: {عَلى رَبِّكَ} و لو أكرموا لقيل: ربهم كما قال: {جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} البينة: ٨ و قال {إِنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ} هود: ٢٩، أو قيل: عرضوا علينا جريا على سياق التكلم السابق، و ثالثاً أن أنواع التفاضل و الكرامات الدنيوية التي اختلقتها لهم الأوهام الدنيوية من نسب و مال و جاه قد طاحت عنهم فصفوا صفا واحدا لا تميز فيه لعال من دان و لا لغني من فقير و لا لمولى من عبد، و إنما الميز اليوم بالعمل و عند ذلك يتبين لهم أنهم أخطئوا الصواب في حياتهم

