تفسير الميزان ج۱۳
312خير و سعادة من غير عمل يستدعيه يقول: من المستبعد أن تقوم الساعة و لئن قامت و رددت إلى ربي لأجدن بكرامة نفسي - و لا يقول: يؤتيني ربي - خيرا من هذه الجنة منقلبا أنقلب إليه.
و قد خدعت هذا القائل نفسه فيما ادعت من الكرامة حتى أقسم على ما قال كما يدل عليه لام القسم في قوله: {وَ لَئِنْ رُدِدْتُ} و لام التأكيد و نونها في قوله: {لَأَجِدَنَّ} و قال: {رُدِدْتُ} و لم يقل: ردني ربي إليه، و قال: {لَأَجِدَنَّ} و لم يقل: آتاني الله.
و الآيتان كقوله تعالى: {وَ لَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَ مَا أَظُنُّ اَلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى} حم السجدة: ٥٠.
قوله تعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَ هُوَ يُحَاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} الآية و ما بعدها إلى تمام أربع آيات رد من صاحب الرجل يرد به قوله: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً} ثم قوله إذ دخل جنته: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} و قد حلل الكلام من حيث غرض المتكلم إلى جهتين: إحداهما استعلاؤه على الله سبحانه بدعوى استقلاله في نفسه و فيما يملكه من مال و نفر و استثناؤه بما عنده من القدرة و القوة و الثانية استعلاؤه على صاحبه و استهانته به بالقلة و الذلة ثم رد كلا من الدعويين بما يحسم مادتها و يقطعها من أصلها فقوله: {أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ } - إلى قوله - {إِلاَّ بِاللَّهِ} رد لأولى الدعويين، و قوله {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ } - إلى قوله - {طَلَباً} رد للثانية.
فقوله: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَ هُوَ يُحَاوِرُهُ} في إعادة جملة {وَ هُوَ يُحَاوِرُهُ} إشارة إلى أنه لم ينقلب عما كان عليه من سكينة الإيمان و وقاره باستماع ما استمعه من الرجل بل جرى على محاورته حافظا آدابه و من أدبه إرفاقه به في الكلام و عدم خشونته بذكر ما يعد دعاء عليه يسوؤه عادة فلم يذكر ولده بسوء كما ذكر جنته بل اكتفى فيه بما يرمز إليه ما ذكره في جنته من إمكان صيرورتها صعيدا زلقا و غور مائها.
و قوله: {أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ} إلخ الاستفهام للإنكار ينكر عليه ما اشتمل عليه كلامه من الشرك بالله سبحانه بدعوى الاستقلال لنفسه و للأسباب و المسببات كما

