تفسير الميزان ج۱۳
311و هذا حال الإنسان فإن نفسه لا تتعلق بالشيء الفاني من جهة أنه متغير يسرع إليه الزوال، و إنما يتعلق القلب عليه بما يشاهد فيه من سمة البقاء كيفما كان فينجذب إليه و لا يلوي عنه إلى شيء من تقادير فنائه، فتراه إذا أقبلت عليه الدنيا اطمأن إليها و أخذ في التمتع بزينتها و الانقطاع إليها، و اعتورته أهواؤه و طالت آماله كأنه لا يرى لنفسه فناء، و لا لما بيده من النعمة زوالا و لا لما ساعدته عليه من الأسباب انقطاعا، و تراه إذا أدبرت عنه الدنيا أخذه اليأس و القنوط فأنساه كل رجاء للفرج و سجل عليه أنه سيدوم و يدوم عليه الشقاء و سوء الحال.
و السبب في ذلك كله ما أودعه الله في فطرته من التعلق بهذه الزينة الفانية فتنة و امتحانا فإذا أعرض عن ذكر ربه انقطع إلى نفسه و الزينة الدنيوية التي بين يديه و الأسباب الظاهرية التي أحاطت به و تعلق على حاضر الوضع الذي يشاهده، و دعته جاذبة الزينات و الزخارف أن يجمد عليها و لا يلتفت إلى فنائها و هو القول بالبقاء، و كلما قرعته قارعة العقل الفطري أن الدهر سيغدر به، و الأسباب ستخذله، و أمتعة الحياة ستودعه، و حياته المؤجلة ستبلغ أجلها، منعه اتباع الأهواء و طول الآمال الإصغاء لها و الالتفات إليها.
و هذا شأن أهل الدنيا لا يزالون على تناقض من الرأي يعملون ما يصدقونه بأهوائهم و يكذبونه بعقولهم لكنهم يطمئنون إلى رأي الهوى فيمنعهم عن الالتفات إلى قضاء العقل.
و هذا معنى قولهم بدوام الأسباب الظاهرية و بقاء زينة الحياة الدنيا و لهذا قال فيما حكاه الله: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} و لم يقل: هذه لا تبيد أبدا.
و قوله: {وَ مَا أَظُنُّ اَلسَّاعَةَ قَائِمَةً} هو مبني على ما مر من التأبيد في قوله: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} فإنه يورث استبعاد تغير الوضع الحاضر بقيام الساعة، و كل ما حكاه الله سبحانه من حجج المشركين على نفي المعاد مبني على الاستبعاد كقولهم: {مَنْ يُحْيِ اَلْعِظَامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ} يس: ٧٨ و قولهم: {أَ إِذَا ضَلَلْنَا فِي اَلْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} الم السجدة: ١٠.
و قوله: {وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً} مبني على ما تقدم من دعوى كرامة النفس و استحقاق الخير، و يورث ذلك في الإنسان رجاء كاذبا بكل

