تفسير الميزان ج۱۳
310إذ قال لصاحبه: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً} فلم ير إلا نفسه و نسي أن ربه هو الذي سلطه على ما عنده من المال و أعزه بمن عنده من النفر فجرى قوله لصاحبه {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً} مجرى قول قارون لمن نصحه أن لا يفرح و يحسن بما آتاه الله من المال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ} القصص: ٧٨.
و هذا الذي يكشف عنه قوله: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً} إلخ أعني دعوى الكرامة النفسية و الاستحقاق الذاتي ثم الشرك بالله بالغفلة عنه و الركون إلى الأسباب الظاهرية هو الذي أظهره حين دخل جنته فقال كما حكاه الله: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً وَ مَا أَظُنُّ اَلسَّاعَةَ قَائِمَةً} إلخ.
قوله تعالى: {وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ} إلى آخر الآيتين. الضمائر الأربع راجعة إلى الرجل، و المراد بالجنة جنسها و لذا لم تثن، و قيل: لأن الدخول لا يتحقق في الجنتين معا في وقت واحد، و إنما يكون في الواحدة بعد الواحدة.
و قال في الكشاف: فإن قلت: فلم أفرد الجنة بعد التثنية؟ قلت: معناه و دخل ما هو جنته ما له جنة غيرها يعني أنه لا نصيب له في الجنة التي وعد المؤمنون فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير، و لم يقصد الجنتين و لا واحدة منهما. انتهى و هو وجه لطيف.
و قوله: {وَ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} و إنما كان ظالما لأنه تكبر على صاحبه إذ قال: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً} إلخ و هو يكشف عن إعجابه بنفسه و شركه بالله بنسيانه و الركون إلى الأسباب الظاهرية، و كل ذلك من الرذائل المهلكة.
و قوله: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً} البيد و البيدودة الهلاك و الفناء و الإشارة بهذه إلى الجنة، و فصل الجملة لكونها في معنى جواب سؤال مقدر كأنه لما قيل: و دخل جنته قيل: فما فعل؟ فقيل: قال: ما أظن أن تبيد إلخ.
و قد عبر عن بقاء جنته بقوله: {مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ} إلخ و نفي الظن بأمر كناية عن كونه فرضا و تقديرا لا يلتفت إليه حتى يظن به و يمال إليه فمعنى ما أظن أن تبيد هذه أن بقاءه و دوامه مما تطمئن إليه النفس و لا تتردد فيه حتى تتفكر في بيده و تظن أنه سيفنى.

