تفسير الميزان ج۱۳
304منهم أن يكفر فليكفر فليس بنفعنا إيمانهم و لا يضرنا كفرهم بل ما في ذلك من نفع أو ضرر و ثواب أو تبعة عذاب عائد إليهم أنفسهم فليختاروا ما شاءوا فقد أعتدنا للظالمين كذا و كذا و للصالحين من المؤمنين كذا.
و من هنا يظهر أن قوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} من كلامه تعالى يخاطب به نبيه (صلى الله عليه وآله و سلم) و ليس داخلا في مقول القول فلا يعبأ بما ذكر بعضهم أن الجملة من تمام القول المأمور به.
و يظهر أيضا أن قول: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً} إلخ في مقام التعليل لتخييرهم بين الإيمان و الكفر الذي هو تخيير صورة و تهديد معنى، و المعنى أنا إنما نهيناك عن الأسف و أمرناك أن تكتفي بالتبليغ فقط و تقنع بقولك: {اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} فحسب و لم نتوسل إلى إصرار و إلحاح لأنا هيأنا لهم تبعات هذه الدعوة ردا و قبولا و كفى بما هيأناه محرضا و رادعا و لا حاجة إلى أزيد من ذلك و عليهم أن يختاروا لأنفسهم أي المنزلتين شاءوا.
قوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً} إلى آخر الآية قال في المجمع: السرادق الفسطاط المحيط بما فيه، و يقال: السرادق ثوب يدار حول الفسطاط، و قال: المهل خثارة الزيت، و قيل: هو النحاس الذائب، و قال: المرتفق المتكأ من المرفق يقال: ارتفق إذا اتكأ على مرفقه انتهى و الشيء النضج يقال: شوى يشوي وشيا إذا نضج.
و في تبديل الكفر من الظلم في قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} دون أن يقول: للكافرين دلالة على أن التبعة المذكورة إنما هي للظالمين بما هم ظالمون: و قد عرفهم في قوله: {اَلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} الأعراف: ٤٥ و الباقي ظاهر.
قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} بيان لجزاء المؤمنين على إيمانهم و عملهم الصالح و إنما قال: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} إلخ و لم يقل: و أعتدنا لهؤلاء كذا و كذا ليكون دالا على العناية بهم و الشكر لهم.
و قوله: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ} إلخ في موضع خبر إن، و هو في الحقيقة من وضع السبب

