تفسير الميزان ج۱۳
301التي ستعود صعيدا جرزا بل يدعوهم إلى ربهم و لا يزيد على ذلك فمن شاء منهم آمن به و من شاء كفر و لا عليه شيء، و أما الذي يجب أن يواجهوا به إن كفروا أو آمنوا فليس هو أن يتأسف أو يسر، بل ما أعده الله للفريقين من عقاب أو ثواب.
قوله تعالى: {وَ اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} إلى آخر الآية في المجمع: لحد إليه و التحد أي مال انتهى فالملتحد اسم مكان من الالتحاد بمعنى الميل و المراد بكتاب ربك القرآن أو اللوح المحفوظ، و كان الثاني أنسب بقوله: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}.
و في الكلام على ما عرفت آنفا رجوع إلى ما قبل القصة و عليه فالأنسب أن يكون قوله: {وَ اُتْلُ} إلخ عطفا على قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى اَلْأَرْضِ} إلخ و المعنى لا تهلك نفسك على آثارهم أسفا و اتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لأنه لا مغير لكلماته فهي حقة ثابتة و لأنك لا تجد من دونه ملتحدا تميل إليه.
و بذلك ظهر أن كلا من قوله: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} و قوله {لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً} في مقام التعليل فهما حجتان على الأمر في قوله: {وَ اُتْلُ} و لعله لذلك خص الخطاب في قوله: {وَ لَنْ تَجِدَ} إلخ بالنبي (صلى الله عليه وآله و سلم) مع أن الحكم عام و لن يوجد من دونه ملتحد لأحد.
و يمكن أن يكون المراد: و لن تجد أنت ملتحدا من دونه لأنك رسول و لا ملجأ للرسول من حيث إنه رسول إلا مرسلة، و الأنسب على هذا أن يكون قوله: {لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} حجة واحدة مفادها: و اتل عليهم هذه الآيات المشتملة على الأمر الإلهي بالتبليغ لأنه كلمة إلهية و لا تتغير كلماته و أنت رسول ليس لك إلا أن تميل إلى مرسلك و تؤدي رسالته، و يؤيد هذا المعنى قوله في موضع آخر: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اَللَّهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلاَّ بَلاَغاً مِنَ اَللَّهِ وَ رِسَالاَتِهِ} الجن: ٢٣.
قوله تعالى: {وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَ اَلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} إلى آخر الآية قال الراغب: الصبر الإمساك في ضيق يقال: صبرت الدابة حبستها بلا علف، و صبرت فلانا خلفته خلفة لا خروج له منها، و الصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل و الشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه. انتهى مورد الحاجة.

