تفسير الميزان ج۱۳
275أقرب خيرا و منفعة من المنسي.
و أعجب منه ما عن بعض آخر أن قوله: {وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ} إلخ عطف تفسيري لقوله: {وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} و المعنى إذا وقع منك النسيان فتب إلى ربك و توبتك أن تقول: عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا، و يمكن أن يجعل الوجهان الثاني و الثالث وجها واحدا و بناؤهما على أي حال على كون المراد بقوله: {إِذَا نَسِيتَ} مطلق النسيان، و قد عرفت ما فيه.
قوله تعالى: {وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً} بيان لمدة لبثهم في الكهف على حال النوم فإن هذا اللبث هو متعلق العناية في آيات القصة و قد أشير إلى إجمال مدة اللبث بقوله في أول الآيات: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً}.
و يؤيده تعقيبه بقوله في الآية التالية: {قُلِ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} ثم قوله: {وَ اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} إلخ ثم قوله: {وَ قُلِ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} و لم يذكر عددا غير هذا فقوله: {قُلِ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} بعد ذكر مدة اللبث كقوله: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ} يلوح إلى صحة العدد المذكور.
فلا يصغي إلى قول القائل إن قوله: {وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} إلخ محكي قول أهل الكتاب و قوله: {قُلِ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} رد له، و كذا قول القائل إن قوله: {وَ لَبِثُوا} إلخ قول الله تعالى و قوله: {وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً} إشارة إلى قول أهل الكتاب و الضمير لهم و المعنى أن أهل الكتاب زادوا على العدد الواقعي تسع سنين ثم قوله: {قُلِ اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} رد له. على أن المنقول عنهم أنهم قالوا بلبثهم مائتي سنة أو أقل لا ثلاثمائة و تسعة و لا ثلاثمائة.
و قوله: {سِنِينَ} ليس بمميز للعدد و إلا لقيل: ثلاثمائة سنة بل هو بدل من ثلاثمائة كما قالوا، و في الكلام مضاهاة لقوله فيما أجمل في صدر الآيات: {سِنِينَ عَدَداً}.
و لعل النكتة في تبديل «سنة» من {سِنِينَ} استكثار مدة اللبث، و على هذا فقوله: {وَ اِزْدَادُوا تِسْعاً} لا يخلو من معنى الإضراب كأنه قيل: و لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة هذه السنين المتمادية و الدهر الطويل بل ازدادوا تسعا، و لا ينافي هذا ما تقدم في قوله: {سِنِينَ عَدَداً} إن هذا لاستقلال عدد السنين و استحقاره لأن المقامين

