تفسير الميزان ج۱۳
271اَللَّهِ} آل عمران: ١٤٥ و قال: {وَ مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ} يونس: ١٠٠ و قال: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اَللَّهِ} النساء: ٦٤ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
فعلى الإنسان العارف بمقام ربه المسلم له أن لا يرى نفسه سببا مستقلا لفعله مستغنيا فيه عن غيره بل مالكا له بتمليك الله قادرا عليه بإقداره و أن القوة لله جميعا و إذا عزم على فعل أن يعزم متوكلا على الله قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ} و إذا وعد بشيء أو أخبر عما سيفعله أن يقيده بإذن الله أو بعدم مشيته خلافه.
و هذا المعنى هو الذي يسبق إلى الذهن المسبوق بهذه الحقيقة القرآنية إذا قرع بابه قوله تعالى: {وَ لاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اَللَّهُ} و خاصة بعد ما تقدم في آيات القصة من بيان توحده تعالى في ألوهيته و ربوبيته و ما تقدم قبل آيات القصة من كون ما على الأرض زينة لها سيجعله الله صعيدا جرزا. و من جملة ما على الأرض أفعال الإنسان التي هي زينة جالبة للإنسان يمتحن بها و هو يراها مملوكة لنفسه.
و ذلك أن قوله: {وَ لاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً} نهي عن نسبته فعله إلى نفسه، و لا بأس بهذه النسبة قطعا فإنه سبحانه كثيرا ما ينسب في كلامه الأفعال إلى نبيه و إلى غيره من الناس و ربما يأمره أن ينسب أفعالا إلى نفسه قال تعالى: {فَقُلْ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ} يونس: ٤١، و قال: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَ لَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} الشورى: ١٥.
فأصل نسبة الفعل إلى فاعله مما لا ينكره القرآن الكريم و إنما ينكر دعوى الاستقلال في الفعل و الاستغناء عن مشيته و إذنه تعالى فهو الذي يصلحه الاستثناء أعني قوله: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اَللَّهُ}.
و من هنا يظهر أن الكلام على تقدير باء الملابسة و هو استثناء مفرغ عن جميع الأحوال أو جميع الأزمان، و تقديره: {وَ لاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ } أي لأجل شيء تعزم عليه - إني فاعل ذلك غدا في حال من الأحوال أو زمان من الأزمنة إلا في حال أو في زمان يلابس قولك المشية بأن تقول: إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله أن أفعله أو إلا أن يشاء الله أن لا أفعله و المعنى على أي حال: إن أذن الله في فعله.
هذا ما يعطيه التدبر في معنى الآية و يؤيده ذيلها و للمفسرين فيها توجيهات أخرى:

