تفسير الميزان ج۱۳
268الكلام أن يقدم القول الثاني و يؤخر الأول و يذكر مع الثالث الذي لم يذكر معه ما يدل على عدم ارتضائه.
و القول الثالث أنهم سبعة و ثامنهم كلبهم، و قد ذكره الله سبحانه و لم يعقبه بشيء يدل على تزييفه، و لا يخلو ذلك من إشعار بأنه القول الحق، و قد تقدم في الكلام على محاورتهم المحكية بقوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أنه مشعر بل دال على أن عددهم لم يكن بأقل من سبعة.
و من لطيف صنع الآية في عد الأقوال نظمها العدد من ثلاثة إلى ثمانية نظما متواليا ففيها ثلاثة رابعها خمسة سادسها سبعة و ثامنها.
و أما قوله: {رَجْماً بِالْغَيْبِ} تمييز يصف القولين بأنهما من القول بغير علم و الرجم هو الرمي بالحجارة و كأن المراد بالغيب الغائب و هو القول الذي معناه غائب عن العلم لا يدري قائله أ هو صدق أم كذب؟ فشبه الذي يلقي كلاما ما هذا شأنه بمن يريد الرجم بالحجارة فيرمي ما لا يدري أ حجر هو يصيب غرضه أم لا؟ و لعله المراد بقول بعضهم: رجما بالغيب أي قذفا بالظن لأن المظنون غائب عن الظان لا علم له به.
و قيل: معنى {رَجْماً بِالْغَيْبِ} ظنا بالغيب و هو بعيد.
و قد قال تعالى: {ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} و قال: {خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} فلم يأت بواو ثم قال: {سَبْعَةٌ وَ ثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} فأتى بواو قال في الكشاف: و ثلاثة خبر مبتدإ محذوف أي هم ثلاثة، و كذلك خمسة و سبعة، رابعهم كلبهم جملة من مبتدإ و خبر واقعة صفة لثلاثة، و كذلك سادسهم كلبهم و ثامنهم كلبهم.
فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة؟ و لم دخلت عليها دون الأوليين؟ قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك: جاءني رجل و معه آخر و مررت بزيد و بيده سيف، و منه قوله تعالى: {وَ مَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَ لَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} و فائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف و الدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر.
و هذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: سبعة و ثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات

