تفسير الميزان ج۱۳
263بعضهم لبعض و إشفاق بعضهم على بعض فقد تقدم أن قول القائلين: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} تنبيه و دلالة على موقع من التوحيد أعلى و أرفع درجة مما يدل عليه قول الآخرين {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}.
ثم قول القائل: {فَابْعَثُوا} حيث عرض بعث الرسول على الجميع و لم يستبد بقول: ليذهب أحدكم و قوله: {أَحَدَكُمْ} و لم يقل اذهب يا فلان أو ابعثوا فلانا و قوله: {بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} فأضاف الورق إلى الجميع كل ذلك دليل المواخاة و المساواة.
ثم قوله: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكى طَعَاماً} إلخ و قوله: {وَ لْيَتَلَطَّفْ}إلخ نصح و قوله: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} إلخ نصح لهم و إشفاق على نفوسهم بما هم مؤمنون على دينهم.
و قوله تعالى: {بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} على ما فيه من الإضافة و الإشارة المعينة لشخص الورق مشعر بعناية خاصة بذكرها فإن سياق استدعاء أن يبعثوا أحدا لاشتراء طعام لهم لا يستوجب بالطبع ذكر الورق التي يشتري بها الطعام و الإشارة إليها بشخصها و لعلها إنما ذكرت في الآية مع خصوصية الإشارة لأنها كانت هي السبب لظهور أمرهم و انكشاف حالهم لأنها حين أخرجها رسومها ليدفعها ثمنا للطعام كانت من مسكوكات عهد مرت عليها ثلاثة قرون و ليس في آيات القصة ما يشعر بسبب ظهور أمرهم و انكشاف حالهم إلا هذه اللفظة.
قوله تعالى: {وَ كَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ اَلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} قال في المفردات:، عثر الرجل يعثر عثرا و عثورا إذا سقط و يتجوز به فيمن يطلع على أمر من غير طلبه قال تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقَّا إِثْماً} يقال عثرت على كذا قال: {وَ كَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} أي وقفناهم عليهم من غير أن طلبوا. انتهى.
و التشبيه في قوله: {وَ كَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} كنظيره في قوله: {وَ كَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ} أي و كما أنساهم دهرا ثم بعثناهم لكذا و كذا كذلك أعثرنا عليهم و مفعول أعثرنا هو الناس المدلول عليه بالسياق كما يشهد به ذيل الآية و قوله: {لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ}

