تفسير الميزان ج۱۳
259لبثنا يوم و قال بعض آخر: لبثنا بعض يوم.
لا يلتفت إليه أما أولا فلأن هذا المعنى لا يتلقى من سياق مثل قوله: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} البتة و قد أجاب بمثله شخص واحد بعينه قال تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} البقرة: ٢٥٩.
و أما ثانيا فلأن قولهم: {لَبِثْنَا يَوْماً} إنما أخذوه عما استدلوا به من الأمور المشهودة لهم لجلالة قدرهم عن التحكم و التهوس و المجازفة و الأمور الخارجية التي يستدل بها الإنسان و خاصة من نام ثم انتبه من شمس و ظل و نور و ظلمة و نحو ذلك لا تشخص مقدار اليوم التام من غير زيادة و نقيصة سواء في ذلك الترديد و التفصيل فالمراد باليوم على أي حال ما يزيد على ليلة بنهارها بعض الزيادة و هو استعمال شائع.
و قوله تعالى: {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أي قال بعض آخر منهم ردا على القائلين: {لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} و لو لم يكن ردا لقالوا ربنا أعلم بما لبثنا.
و بذلك يظهر أن إحالة العلم إلى الله تعالى في قولهم: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ} ليس لمجرد مراعاة حسن الأدب كما قيل بل لبيان حقيقة من حقائق معارف التوحيد و هي أن العلم بحقيقة معنى الكلمة ليس إلا لله سبحانه فإن الإنسان محجوب عما وراء نفسه لا يملك بإذن الله إلا نفسه و لا يحيط إلا بها و إنما يحصل له من العلم بما هو خارج عن نفسه ما دلت عليه الأمارات الخارجية و بمقدار ما ينكشف بها و أما الإحاطة بعين الأشياء و نفس الحوادث و هو العلم حقيقة فإنما هو لله سبحانه المحيط بكل شيء الشهيد على كل شيء و الآيات الدالة على هذه الحقيقة لا تحصى.
فليس للموحد العارف بمقام ربه إلا أن يسلم الأمر له و ينسب العلم إليه و لا يسند إلى نفسه شيئا من الكمال كالعلم و القدرة إلا ما اضطر إليه فيبدأ بربه فينسب إليه حقيقة الكمال ثم لنفسه ما ملكه الله إياه و أذن له فيه كما قال: {عَلَّمَ اَلْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} العلق: ٥ و قال: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} البقرة: ٣٢ إلى آيات أخرى كثيرة.

