تفسير الميزان ج۱۳
252العباد المقربين، و الجميع منا و منهم يعرفونه بأسمائه و صفاته و آثاره كل على قدر طاقته فله أن يتوجه إليه بالعبادة على قدر معرفته.
على أن جميع الصفات الموجبة لاستحقاق العبادة من الخلق و الرزق و الملك و التدبير له وحده و لا يملك غيره شيئا من ذلك فله أن يعبد و ليس لغيره ذلك.
ثم أردفوا قولهم: {لَوْ لاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ} بقولهم {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اَللَّهِ كَذِباً} و هو من تمام الحجة الرادة لقولهم، و معناه أن عليهم أن يقيموا برهانا قاطعا على قولهم فلو لم يقيموه كان قولهم من القول بغير علم في الله و هو افتراء الكذب عليه تعالى، و الافتراء ظلم و الظلم على الله أعظم الظلم. هذا فقد دلوا بكلامهم هذا أنهم كانوا علماء بالله أولي بصيرة في دينهم، و صدقوا قوله تعالى {وَ زِدْنَاهُمْ هُدىً}.
و في الكلام على ما به من الإيجاز قيود تكشف عن تفصيل نهضتهم في بادئها فقوله تعالى: {وَ رَبَطْنَا عَلى قُلُوبِهِمْ} يدل على أن قولهم: {رَبُّنَا رَبُّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} إلخ لم يكن بإسرار النجوى و في خلإ من عبدة الأوثان بل كان بإعلان القول و الإجهار به في ظرف تذوب منه القلوب و ترتاع النفوس و تقشعر الجلود في ملإ معاند يسفك الدماء و يعذب و يفتن.
و قوله: {لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهاً} بعد قوله {رَبُّنَا رَبُّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ} - و هو جحد و إنكار - فيه إشعار و تلويح إلى أنه كان هناك تكليف إجباري بعبادة الأوثان و دعاء غير الله.
و قوله: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا} إلخ يشير إلى أنهم في بادئ قولهم كانوا في مجلس يصدر عنه الأمر بعبادة الأوثان و الإجبار عليها و النهي عن عبادة الله و السياسة المنتحلية بالقتل و العذاب كمجلس الملك أو ملئه أو ملإ عام كذلك فقاموا و أعلنوا مخالفتهم و خرجوا و اعتزلوا القوم و هم في خطر عظيم يهددهم و يهجم عليهم من كل جانب كما يدل عليه قولهم: {وَ إِذِ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اَللَّهَ فَأْوُوا إِلَى اَلْكَهْفِ}.
و هذا يؤيد ما وردت به الرواية و سيجيء الخبر أن ستة منهم كانوا من خواص الملك يستشيرهم في أموره فقاموا من مجلس و أعلنوا التوحيد و نفي الشريك عنه تعالى.

