تفسير الميزان ج۱۳
236بيان
السورة تتضمن الدعوة إلى الاعتقاد الحق و العمل الصالح بالإنذار و التبشير كما يلوح إليه ما افتتحت به من الآيتين و ما اختتمت به من قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَ لاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}.
و فيها مع ذلك عناية بالغة بنفي الولد كما يدل على ذلك تخصيص إنذار القائلين بالولد بالذكر ثانيا بعد ذكر مطلق الإنذار أولا أعني وقوع قوله: {وَ يُنْذِرَ اَلَّذِينَ قَالُوا اِتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَداً} بعد قوله: {لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ}.
فوجه الكلام فيها إلى الوثنيين القائلين ببنوة الملائكة و الجن و المصلحين من البشر و النصارى القائلين ببنوة المسيح (عليه السلام) و لعل اليهود يشاركونهم فيه حيث يذكر القرآن عنهم أنهم قالوا: عزير ابن الله.
و غير بعيد أن يقال إن الغرض من نزول السورة ذكر القصص الثلاث العجيبة التي لم تذكر في القرآن الكريم إلا في هذه السورة و هي قصة أصحاب الكهف و قصة موسى و فتاه في مسيرهما إلى مجمع البحرين و قصة ذي القرنين ثم استفيد منها ما استفرغ في السورة من الكلام في نفي الشريك و الحث على تقوى الله سبحانه.
و السورة مكية على ما يستفاد من سياق آياتها و قد استثني منها قوله: {وَ اِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية و سيجيء ما فيه من الكلام.
قوله تعالى: {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ اَلْكِتَابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً} العوج بفتح العين و كسرها الانحراف، قال في المجمع: العوج بالفتح فيما يرى كالقناة و الخشبة و بالكسر فيما لا يرى شخصا قائما كالدين و الكلام. انتهى.
و لعل المراد بما يرى و ما لا يرى ما يسهل رؤيته و ما يشكل كما ذكره الراغب في المفردات، بقوله: العوج - بالفتح - يقال فيما يدرك بالبصر سهلا كالخشب المنتصب و نحوه و العوج - بالكسر - يقال فيما يدرك بالفكر و البصيرة كما يكون في أرض بسيط يعرف تفاوته بالبصيرة و كالدين و المعاش انتهى. فلا يرد عليه ما في قوله تعالى: {لاَ تَرى فِيهَا عِوَجاً } - بكسر العين - {وَ لاَ أَمْتاً} طه: ١٠٧ فافهم.

