تفسير الميزان ج۱۳
223فقد ذكر سبحانه إعراضهم عن القرآن و كفرهم به و عدم اعتنائهم بكونه آية و اقتراحهم آيات أخرى ثم بين له من نعوت الكمال و دلائل الإعجاز في لفظه و معناه و غزارة الأثر في النفوس و كيفية نزوله ما استبان به أنه حق لا يعتريه بطلان و لا فساد أصلا ثم بين في هذه الآيات أنه في غنى عن إيمانهم فهم و ما يختارونه من الإيمان و الكفر.
قوله تعالى: {قُلِ اُدْعُوا اَللَّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنى} لفظة أو للتسوية و الإباحة فالمراد بقوله {اَللَّهَ} و {اَلرَّحْمَنَ} الاسمان الدالان على المسمى دون المسمى، و المعنى ادعوا باسم الله أو باسم الرحمن فالدعاء دعاؤه.
و قوله: {أَيًّا مَا تَدْعُوا} شرط و {مَا} صلة للتأكيد نظير قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اَللَّهِ} آل عمران: ١٥٩. و قوله: {عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} المؤمنون: ٤٠ و {أَيًّا} شرطية و هي مفعول {تَدْعُوا}.
و قوله: {فَلَهُ اَلْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنى} جواب الشرط، و هو من وضع السبب موضع المسبب و المعنى أي اسم من الاسمين تدعوه فهو اسم أحسن له لأن الأسماء الحسنى كلها له فالأسماء الدالة على المسميات منها حسنة تدل على ما فيه حسن و منها قبيحة بخلافها و لا سبيل للقبيح إليه تعالى، و الأسماء الحسنة منها ما هو أحسن لا شوب نقص و قبح فيه كالغنى الذي لا فقر معه و الحياة التي لا موت معها و العزة التي لا ذلة دونها و منها ما هو حسن يغلب عليه الحسن من غير محوضة و لله سبحانه الأسماء الحسنى، و هي كل اسم هو أحسن الأسماء في معناه كما يدل عليه قول أئمة الدين: إن الله تعالى غني لا كالأغنياء، حي لا كالأحياء، عزيز لا كالأعزة عليم لا كالعلماء و هكذا أي له من كل كمال صرفه و محضه الذي لا يشوبه خلافه.
و الضمير في قوله: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ اَلْأَسْمَاءُ اَلْحُسْنى} عائد إلى الذات المتعالية من كل اسم و رسم، و ليس براجع إلى شيء من الاسمين: الله و الرحمن لأن المراد بهما - كما تقدم - الاسمان دون الذات المتعالية التي هي مسماة بهما و لا معنى لأن يقال: أيا من الاسمين تدعوا فإن لذلك الاسم جميع الأسماء الحسنى أو باقي الأسماء الحسنى بل المعنى أيا من أسمائه تدعوا فلا مانع منه لأنها جميعا أسماؤه لأنها أسماء حسنى و له

