تفسير الميزان ج۱۲
99إن لم يؤمنوا بها، و هؤلاء الكفار المعاندون ليسوا بمؤمنين فهو الهلاك.
و بالجملة لو أنزل الله الملائكة و الحال هذا الحال هم يقترحون آية فاصلة تظهر الحق و تميط الباطل لأنزلهم بالحق الفاصل المميز و ما كانوا إذا منظرين بل يهلكون و يقطع دابرهم، هذا محصل ما ذكره بعضهم.
و قيل: المراد بالحق في الآية الموت و المعنى ما نزل الملائكة على الناس إلا مصاحبا للحق الذي هو الموت و ما كانوا إذا منظرين، و كأنه مأخوذ من قوله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ اَلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرىَ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} (الآية).
و قيل: المراد بالحق الرسالة أي ما نزل الملائكة إلا بالوحي و الرسالة و كأنه مأخوذ من نحو قوله: {قَدْ جَاءَكُمُ اَلرَّسُولُ بِالْحَقِّ}: النساء: ١٧٠ «و قوله {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ}: الأنعام: ٥.
فهذه وجوه مذكورة في تفسير الآية و دونها وجوه مذكورة في مختلف التفاسير و هي جميعا لا تخلو من شيء و هو أن شيئا منها لا ينطبق على الحصر الموجود في قوله: {مَا نُنَزِّلُ اَلْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} فنزول الملائكة لا يختص بعذاب الاستئصال فقط و لا بالموت فقط، و لا بالوحي و الرسالة فقط، و توجيه الآية بما يختص بأحد المعاني الثلاث المذكورة للحق يحتاج إلى تقييدها بقيود كثيرة يدفعها إطلاق الآية كما هو ظاهر لمن راجع الوجوه المقررة آنفا.
و يمكن أن يقرر معنى الآية باستمداد من التدبر في آيات أخر أن ظرف الحياة المادية أعني هذه النشأة الدنيوية ظرف يختلط فيه الحق و الباطل من غير أن يتمحض الحق في الظهور بجميع خواصه و آثاره كما يشير إليه قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ اَلْحَقَّ وَ اَلْبَاطِلَ}: الرعد: ١٧، و قد تقدم تفصيل القول في ذلك فما يظهر فيه شيء من الحق إلا و هو يحتمل شيئا من اللبس و الشك كما يصدقه استقراء الموارد التي صادفناها مدى أعمارنا، و من الشاهد عليه قوله تعالى: {وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ}: الأنعام: ٩ و الظرف ظرف الامتحان و الاختيار و لا اختيار إلا مع إمكان التباس الحق بالباطل و اختلاط الخير و الشر بنحو حتى يقف الإنسان على ملتقى الطريقين و منشعب النجدين فيستدل على الخير و الشر بآثارهما و أماراتهما ثم يختار

