تفسير الميزان ج۱۲
98و في الآيتين دلالة على أن الأمة من الإنسان لها كتاب كما أن للفرد منه كتابا، قال تعالى: {وَ كُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً}: إسراء: ١٣.
قوله تعالى: {وَ قَالُوا يَا أَيُّهَا اَلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} كلام خارج مخرج الاستهزاء و لذلك خاطبوه (صلى الله عليه وآله و سلم) لا باسمه بل بوصف نزول الذكر عليه كما كان يدعيه، و جاءوا بالفعل المجهول للدلالة على أن منزله غير معلوم عندهم و لا اعتماد و لا وثوق لهم بما يدعيه هو أن الله تعالى هو الذي أنزله، و توصيفه بالذي نزل عليه الذكر و كذا تسمية النازل عليه ذكرا كل ذلك من الاستهزاء كما أن قولهم: {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} رمي و تكذيب.
قوله تعالى: {لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ اَلصَّادِقِينَ} لو ما مثل هلا للتحضيض أي هلا تأتينا بالملائكة إن كنت صادقا في دعوى النبوة ليشهدوا على صدق دعواك و ينذر معك، فهو قريب المعنى من قولهم على ما حكاه الله: {لَوْ لاَ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً}: الفرقان: ٧.
و وجه اقتراحهم على الأنبياء أن يأتوا بالملائكة و يظهروهم لهم اعتقادهم أن البشرية كينونة مادية مغمورة في قذارة الشهوة و الغضب لا نسبة بينها و بين العالم السماوي الذي هو محض النورانية و الطهارة فمن ادعى نوعا من الاتصال بذاك العالم الروحاني فعليه أن يأتي ببعض أهله من الملائكة الكرام ليصدقوه في دعواه و يعينوه في دعوته.
على أن الملائكة عند الوثنيين آلهة دون الله سبحانه فدعوتهم إلى التوحيد معناها أن هؤلاء الآلهة في معزل من الشفاعة و العبادة بأمر من الله سبحانه و هو إله الآلهة و لا دليل على ذلك كاعترافهم به فلينزلوا و ليعترفوا و يصدقوا النبوة.
قوله تعالى: {مَا نُنَزِّلُ اَلْمَلاَئِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ مَا كَانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ} جواب عما اقترحوا على النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أن يأتيهم بالملائكة حتى يصدقوه، و محصل الجواب أن السنة الإلهية جارية على ستر ملائكته عنهم تحت أستار الغيب فلو أنزلهم و أظهرهم لهم عن اقتراحهم ذلك كان ذلك آية سماوية خارقة للعادة نازلة عن اقتراحهم، و من شأن الآية المعجزة النازلة عن اقتراح الناس أن يعقبها عذاب الاستئصال و الهلاك القطعي

